اخر الأخبار

من الافتراءات على الشيعة .. الشك بالنبوة

 

د. احمد الوائلي

منذ أن اختار الله تعالى لرسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) لقاءه والأمة الإسلامية تفرقت فرقاً شتى كل يقول أنه على الصواب والحق أنه أبعد عن الصواب بعد السماء عن الأرض ولأننا اتخذنا أهل البيت(عليهم السلام) سفينة للنجاة وقدوة و صراطاً؛فقد دخلنا لجة البحر دون خوف أو خشية من ضياع الطريق.ولأننا لم نستوحش طريق الحق لقلة سالكيه (كما يقول أمير المؤمنين(عليه السلام):»لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه»).اتهمنا بتهم شتى لها أول وليس لها آخر
بعضها قيلت ثم ماتت واندثرت،وبعضها قيلت ولكنّها لم تشتهر.واليوم يحاول البعض إحياء جزء مما قيل ولم يشتهر كما هو الحال في فرية»خان الأمين» والعياذ بالله التي يتحدث بها الوهابية التكفيريون اليوم مع الشيعة على أنها مسلمة لا نقاش فيها.وهذه الفرية وجدنا الكثير من الشيعة أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) بحاجة الى معرفة منشئها وسبب بطلانها كي يردوا بشكل حازم وصريح على كل من يقولها بوجههم.ونحن بهذا الرد لا نريد أن نقنع الطرف الآخر من الوهابية والتكفيريين والمتعصبين من أبناء السنة لأن هؤلاء أناس على قلوبهم أقفال وسلاسل لا يمكن فتحها فما يشبّ عليه الإنسان يشيب عليه،وليس من السهل الخلاص منه.
وهذه المسألة هي التي يفترون بها على الشيعة ـ والمسماة اختصاراً»خان الأمين» ـ يسوقون من خلالها أنّ الشيعة يعتقدون أنّ الوحي أراده الله تعالى لعليّ(عليه السلام) دون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكنّ جبرئيل خان أو أخطأ، فذهب بالوحي إلى النبيّ(صصلى الله عليه وآله وسلم)هذا ملخّص الفرية المنسوبة للشيعة.
من وضع الفرية
وضعت هذه الفرية على لسان الشعبي عامر بن شراحيل فقد ذكر ابن شاهين عمر بن أحمد في كتاب «اللطف في السنّة»، كما ذكره ابن تيمية في «منهاج السنّة»،قال: حدثنا محمّد بن أبي القاسم بن هارون، حدّثنا أحمد بن الوليد الواسطي، حدّثني جعفر بن نصير الطوسي، عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول،عن أبيه،قال:قال لي الشعبي:»اُحذّركم أهل هذه الأهواء المضلّة،وشرّها الرافضة،لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة..ـ إلى أن قال: ـ واليهود تبغض جبرئيل،ويقولون:هو عدّونا من الملائكة،وكذلك الرافضة يقولون:غلط جبرئيل بالوحي على محمّد .. إلى آخره» (منهاج السنة ج 1 ص 16).
إنّ هذه الصورة التي وضعت على لسان الشعبي أخذها ابن حزم في كتابه «الفصل في الملل والنحل»،فنسبها لفرقة من الغلاة سمّاهم الغرابية،لأنّهم قالوا:»إنّ عليّاً أشبه بمحمّد من الغراب بالغراب،ولذلك غلط جبرئيل بالوحي،فذهب به لمحمّد وهو مبعوث لعليٍّ،ولا لوم عليه لأنّه اشتبه،وبعضهم شتمه وقال: بل تعمّد ذلك،هكذا رواه ابن حزم(الفصل بين الملل والنحل ج4 ص 183). أما الرازي فقد ذهب في كتابه «اعتقادات فرق المسلمين» إلى أنّهم قالوا:غلط ولم يتعمّد(اعتقادات فرق المسلمين ص 59).وقد عرفنا أنّ منشأ الرواية الشعبي.
نقاش عقلي
ونظراً لأهمّية الموضوع فسنناقش هذه الرواية ونبين سخفها وإنّ الذين وضعوها لم يتفطّنوا إلى ما فيها من ثغرات:
أ ـ أوّل ما يقال في هذه الرواية: إنّ الشعبي عندما كان يقارن بين اليهود والشيعة يسمّي الشيعة بالرافضة،وهذا اللقب الذي نَبَزَ به الشيعة مفند.إذ ذكر مؤرّخو السنّة أنـّه عُرف في آخر أيام زيد بن عليّ بن الحسين(عليهم السلام) عندما طلب منه أفراد جيشه البراءة من الخليفتين،فأبى فرفضه قوم منهم سمّوا بالرافضة،هذه هي رواية هذا اللقب،وهذه الواقعة كانت سنة مقتل زيد ـ أي (122 هجرية)ـ في حين أنّ الشعبي ولد سنة 20 أو 30 هـ ومات سنة 105 هـ. على ذلك فالفرق بين وجوده والرواية سبع عشرة سنة.فإمّا أن يكون لفظ «الرافضة» ورد قبل هذا وهو ما لا تقول به رواياتهم،أو أنّ القصة مخترعة وهو الأصح(فيات الأعيان ترجمة الشعبي).
ب ـ إنّ رجال سند هذه الرواية بين مُتّهم مثل عبد الرحمن بن مالك بن مغول،فقد قالت عنه كتب التراجم بأنّه:ضعيف، وكذّاب،ووضّاع،ويقول عنه الدارقطني:متروك،ويقول عنه أبو داوود:كذّاب وضّاع،ويقول عنه النسائي ليس بثقة.وبين مجهول:كمحمّد الباهلي،ولم أجد لمحمّد هذا أي ذكر في لسان الميزان وتأريخ بغداد وغيرهما.
ج ـ الشعبي يُرمى بالتشيّع،وقد نصّ على تشيّعه كلّ من ابن سعد والشهرستاني،ولا يعقل أن يقول شيعي هذا القول.
د ـ وعلى فرض صحّة جميع هذه المقدمات فمن هؤلاء الغرابية؟، وكم عددهم؟، وأين مكانهم؟، وهل لهم من وجود خارجي؟.أغلب الظنّ أنّهم من المقلع الذي نحت منه عبد الله بن سبأ،خلقتهم نفس الأهداف التي خلقته .
هـ ـ إنّ الذي يدّعي نبوّة شخص فلا بدّ أن يكون هذا النبيّ منصوباً من ربّ،وهنا يقال:»هل هذا الربّ الذي أرسل رسوله لنبيّه،كان يعلم أنّ هذا الرسول مغفّل لا يفرّق بين مَنْ اُرسل إليه وغيره، أم لا؟.فإذا كان لا يعلم فهو لا يصلح للاُلوهية،وإذا كان يعلم وأرسله مع علمه فأيّ ربّ هذا الذي يرسل من لا ينفّذ أوامره.أو أنّه متواطئ مع جبرائيل فلا إشكال حينئذ؟!.
و ـ أو ليس القرآن الكريم يقول عن جبرئيل:»مُطَاع ثَمَّ أَمِين» سورة التكوير،الآية 21.ويقول عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):»وَلكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ» سورة الأحزاب، الآية 40.والشيعة مسلمون يقرؤون القرآن آناء الليل وأطراف النهار،فكيف لا يفهمون ذلك؟،اللهمّ إلاّ أن يقال كما قيل:إنّهم يرون القرآن محرّفاً،وقد فنّد هذا القول وأصبح مضحكاً فالقرآن في بيوت الشيعة كما هو في بيوت باقي المسلمين.كما إنّ من الثابت عند المسلمين قول النبيّ(صلى الله عليه وآله):»لا نبيّ بعدي»،والمسلمون سمعوا منه ذلك .
ز ـ كلّ من له إلمام بالتأريخ يعلم مدى طاعة الإمام عليّ(عليه السلام) للنبيّ(صلى الله عليه وآله)وجهاده بين يديه،فكيف يجتمع ذلك مع علمه بأنـّه أخذ منه الرسالة؟!،إلاّ أن يقال:إنّه لا يعلم أنّ الرسالة له!.
ح ـ إنّ مصدر التشريع الأوّل والأساس هو القرآن الكريم عند كلّ فرق المسلمين ومنهم الشيعة،فإذا نزل القرآن على مغفَّل وبيد خائن فأي ثقة تبقى به بعد ذلك؟!.
ط ـ ألا تكفي آلاف المنائر والمساجد عند الشيعة والتي تصرخ ليل نهار:أشهد أنّ محمداً رسول الله،للتدليل على أنّ هذه القصة فرية مفتعلة كأخواتها؟!
ي ـ إنّ كتب عقائد وفقه الشيعة تملأ الدنيا،فهل يوجد في كتاب واحد منها ما يشير إلى هذه الفرية ونرضى بأن يكون حتى من المخرفّين ممّن نراهم عند فئة اُخرى؟.إنّنا نطالب بمصدر واحد اعتمد عليه هؤلاء في نقل ما نقلوه .
وإذا كان العوامّ يتلقّون أقوال رجال فكرهم بالقبول مهما كانت،فما بال المثقفين يعيشون نفس العقليّة؟!،وما فائدة العلم إذا لم يقوّم تفكير الإنسان؟!،وإلى كم يبقى المسلمون يجترّون ما اُدخل إلى أمعائهم يوماً ما؟.ليت هؤلاء يصارحوننا (بأنّ لهم مصالح في بقاء هذه المهازل).عند ذاك لأراحوا الأجيال،ولكانوا صادقين مع أنفسهم،كما صنع مروان بن الحكم في لحظة من لحظات استيقاظ ضميره،وقد سُئِلَ عن موقف الإمام عليّ(عليه السلام) من عثمان بالثورة؟ فقال: ما كان أحد أدفع عن عثمان من عليّ،فقيل له:ما لكم تسبّونه على المنابر؟ فقال: لا يستقيم لنا الأمر إلاّ بذلك!(الصواعق المحرقة لابن حجر ص 53).
ويبدو أنّ بعض الناس لا يصدّق أنّ هذه الافتراءات لا أساس لها;لأنّ تصديقه بذلك فيه تبرئة للروافض،ومعناه ترك بعض الناس بدون عمل.،على أنّنا لا نشك أنّ كثيراً من الناس لا مصلحة لهم في مثل هذه التهم،ولكن ليس من السهل التخلّص من محتوىً نفسيٍّ نشأ معهم خلال أدوار العمر،ولكنّ ذلك لا يسوِّغ الإصرار على الخطأ.
ك ـ إنّ الله تعالى يقول:»وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً» سورة يوسف،الآية 109.وعليّ(عليه السلام)عند البعثة طفل ابن سبع سنين،فالآية تنصّ على أنّ النبوّة لا تكون إلاّ لرجل.
وفي الختام يحسن بنا الإشارة إلى ما كتبه جهابذة الشيعة في كتب العقائد عن النبوّة وشخص النبيّ الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) في كتب العقائد،وقد ألفنا النظر إلى «عقائد الصدوق» و»أوائل المقالات» للمفيد،والشريف المرتضى في»تنزيه الأنبياء»،وغيرهم،ونكتفي بفقرتين:
الاُولى: يقول السيد محسن الأمين العاملي:»إنَّ من شكّ في نبوّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل له شريكاً في النبوّة فهو خارج عن دين الإسلام»،(أعيان الشيعة ج1 ص 92).
الثانية: يقول المظفّر في عقائد الإمامية:»نعتقد أنّ صاحب الرسالة الإسلامية هو محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم)،وهو خاتم النبيين وسيّد المرسلين،وأفضلهم على الإطلاق،كما أنّه سيّد البشر جميعاً،لا يوازيه فاضل في فضل،ولا يدانيه أحد في مكرمة،وأنّه لَعلى خُلُق عظيم»(عقائد الإمامية ص 64).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى