النسخة الرقمية

هدى و بشرى

إنّ صدور التكليف من الله عزّ و جلّ ووصوله إلى المكلَّف، يجعل هذا التكليف منجّزاً بحقّه، فلو خالفه فسوف يوجّه إليه السؤال: لماذا لم تمتثل التكليف؟ وبالتّالي سوف يُدان وسوف يكون مستحقاً للعقاب على تركه للطاعة. قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾،﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾..ونحن البشر نُدرك بعقولنا وبفطرتنا أنّ لهذا الكون خالقاً، هو الله تعالى، مفيض الوجود على جميع الموجودات، وهو مدبِّر أمر جميع المخلوقات والكائنات، والقاضي والآمر والناهي والفاعل لما يشاء في مملكة الوجود؛ لأنّه المالك الحقيقي لهذا الوجود:﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، لذا كان له حق العبادة والطاعة على مخلوقاته، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾‏ ونحن منهم، عبيد مأمورون في ساحة سلطانه ومولويّته. بل إنّ سعادة الإنسان وكماله، وصلاح أمره وحلّ كل مشاكله منحصر بطريق طاعته وشكره: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وفي المقابل إنّ شقاء الإنسان وهلاكه وخسارته وضياعه وخيبة أمله تكمن في ترك طريق الطاعة والعبودية لله، وتحدّي سلطانه والتمرّد عليه وعصيانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا﴾..لذا كانت مسؤوليّاتنا تجاه الخالق سبحانه وتعالى بمثابة العهد الذي عهده الله إلينا، وهذا العهد الذي يرسم فيه الإنسان معالم الشكر والحمد على نعم الله وعطاءاته التي لا تنتهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾..ويقول الإمام الخميني قدس سره:…فلا بدّ للعبد أن يقوم بحق المولى إلى حده ويقوم بأدب العبودية الذي ذكره هذا الحديث حتى يعامله الحق تعالى شأنه باللطائف الربوبية كما يقول تعالى ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾«وهذه المسؤولية بطبيعة الحال تتّسع باتساع مجالات التكليف الإلهي، والتكليف الإلهي مرتبط بجميع المجالات الحياتية وشتّى جوانبها، كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:»يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ عِنْدَنَا الْجَامِعَةَ إِلَى أَنْ قَالَ فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَكُلُّ شَيْ‏ءٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ حَتَّى الْأَرْشُ‏ فِي‏ الْخَدْشِ»وما هذه السعة والشمولية إلا لضمان حقّ العبودية والطاعة المطلقة لله عز و جل، فلا يلجأ الإنسان إلى غيره قيد أنملة ولا يكون عابداً لسواه ليحوز بذلك على رتبة الأولياء والصدّيقين بكل فخر واعتزاز، ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى