النسخة الرقمية

مهدي إزبين يجرب «أرجحة الوسن» ليحقق حلم السرد البديل

عبد السادة جبار

مهدي إزبين سارد مميز، فمنذ روايته الاولى (هياكل خط الزوال) اختطَّ لنفسه أسلوبا مختلفا في السرد رغم صعوبة ذلك ووعورة المنحى الذي اتّخده واضعا ما يكتب أمام قارئ خاص، مقتنعا بأن زمن السرد الشعبي أو السرد لكل القراء قد غادر الحياة، ومن المؤكد أن القراءة أصبحت حكرا على من يعشقها أو يهواها. ولهذا فهو قد اختار أن يشق نهراً في مكان عصي لتنبجس ينابيع سرده وتجري بالاتجاه الذي يريد، ولم يبحث عن اخدود ليصنع منه نهرا.
يصرُّ على إن القراءة ليست للجميع وذلك لا يعني انه يبغي الانغلاق أو التقوقع بقدر ما يسعى الى نحت لغة سردية، تختزل الكثير من الجمل الوصفية أو الشاعرية الفائضة والتي يحاول البعض أن يثقل كاهل السرد بحجة الجمالية والخيال. الروائي مهدي إزبين يركز على قوة الجملة المختزلة التي تترك القارئ يتأمل المعاني المركبة فيها، وهو لا يبغي أن تكون اللغة وسيلة لإيصال المعنى والمضمون بأكثر من جملة سردية من أجل الحدث. أي لا يلوي عنق اللغة لأجل المضمون، وفي الوقت نفسه لا يدفع المضمون داخل طلسم لغوي، بل يسعى الى أن تكون اللغة أكثر دقة لإيصال المعنى بعمقه الحقيقي بجمل قليلة المفردات إذ لا يمكن حذف مفردة واحدة دون أن يرتبك المعنى ويضيع مسار السرد. في الواقع أجد إن هذا الاسلوب يقترب كثيرا من العلمية في الكتابة وكأنها كتابة عبر (ديجتال سردي) ولا يعني ذلك أن الروائي يغيّب روح الجمال إلا إنه يجعله أكثر تركيزاً وأقوى توهجاً.. وبعيداً عن الخيال التقليدي المكرر الذي يزوّق اللغة لتحلق كسراب.
قراءتي لمخطوطته (أرجحة الوسن) قبل الطبع وقراءتها مطبوعة فيما بعد وضعتني أمام مسؤولية من نوع خاص، وفي الواقع وجدت صعوبة في إدراك الغاية من القراءة الأولى وكان لزاما عليّ كقارئ لا يتجاوز ما ينتج من سرد، وليس بإمكاني ان أدلي برأي عام متذرعا بأني أقدم قراءة انطباعية.
هذه الرواية لا تترك إنطباعا (حكائيا) لان التفاصيل التي تنطوي عليها تحتاج الى تأمل فالاختزال هنا لا يعطيك الفرصة لتتجاوز جملة ما لتهرول وراء حدث او نتيجة حكاية، ومع ذلك لا أدعي لنفسي قدرة مميزة في قراءتي لها فلربما هناك قدرة نقدية للتأويل لا تتفق معي في التحليل او الرأي.
التجربة الرابعة
تقع روايته الرابعة (أرجحة الوسن) بـ102 صفحة فقط من القطع المتوسط، وهو حجم صغير قياسا برواية بوليفونية تحمل في متونها أحداثا مهمَّة يسردها (5) شخصيات رئيسة يشتركون في أحداثها كل منهم على الآخر.
إلا أن الكاتب قد كثف تجاربه التجريبية السابقة لينتهي الى هذا الأسلوب المختزل كأنه يقدم لنا رواية عمودية ـ إذا صح هذا التعبير ـ وليست أفقية للأحداث والشخصيات، منتظرا منا قراءة سطورها أو يحثنا على التأمل لهذا اللون من السرد لنعطيها حقها في المعنى متجاوزين الطريقة التقليدية في القراءة، وهو النظر (لصورة الجملة) المكررة، بل النظر الى (المعنى) الذي كونته الجملة ،ركبت من كلمات أقل غير التي اعتدنا النظر اليها، ليعطينا عمقا ومعنى أدق وأشمل سرديا، الامر هنا يتعلق بتركيب معنى وليس كصورة للمعنى.
ولنقرأ هاتين الجملتين التي بدأ بهما الراوي الرواية:
«يكتم الباب إصطفاقه على نبض المعادن لننطلق» ص 5. جملة فعلية (تؤنسن الشيء/ الباب)، جملة فعلية حوارية قصيرة جدا يقرر شخصا ما من خلالها أمرا يبدأ به الحدث. تنتهي الرواية على لسان الراوي أيضا: «يخنس الباب على حروف تتآمر:
ـ لننزل الجنازة وننطلق» ص 102، ايضا كأنها نهاية تشبه البداية كتركيب.
وما بينهما تبدأ الشخصيات تتابع وتسرد الأحداث بذات هذا الإختزال الرائع والواضح ايضا. في الواقع أنا لا أرى الغازاً او طلاسمَ رغم الاختزال في هذه الرواية كما اقرأ بعض السرديات التي تدعي لنفسها الحداثة..على العكس تتطلب مني ان لا أهمل جملة أو حتى كلمة واحدة .
.وقد تعودت على أن اتجاوز صفحات في بعض الروايات دون أن تضيع الفكرة مني.. إلا إن هذه الرواية لا تسمح بهذا وقد تضيع منك فكرة ما إن لم تتأمل كل سطر تقرأه.
الأفعال والأحداث
حجم الرواية (102) قد يوحي للبعض بقلة أحداثها أو هي لون من السرد بشخصية واحدة او شخصيتين. على العكس تجري الرواية في مرحلتين حبلى بالأحداث وتضم تفاعل 5 شخصيات، في الواقع حاول المؤلف ان يتجنب الجمل الاسمية والاسماء الموصولة واسماء الاشارة والافعال الناقصة وكتب الوصف السردي والاحداث بافعال اغلبها مضارعة، ولكن بامكان التمييز بين الافعال الوصفية وافعال الاحداث ليكون الاختزال مثمرا في نسيج الرواية. تلك الافعال صنعت للرواية ايقاعا متواصلا سريعا كأنها سيمفونية بنيت على حركة واحدة ولكن بتفاعلات متنوعة، بلغت اكثر من عشرين تفاعلا (عدد الفصول) ضبطت ايقاع النص السيمفوني متوافقة دون اختلاف او ترهل.
تفاعل الشخصيات والمضمون
استخدم السارد مهدي إزبين أسلوب الرواية البوليفونية ولكن بطريقة مختلفة، إذ جعل كل شخصية تروي عن شخصية اخرى وبذلك أصبح نسيج السرد من وجهات نظر متعددة، الإ إنه لم يغفل جانب السرد الذاتي وهو المكتوب بالأحرف الكبيرة. لينتهي الى خلاصة نلمسها بعد التأمل إن الشخصيات المضهدة والمغيبة هم أنفسهم في مرحلة سابقة ومرحلة لاحقة، وإن الإضطهاد يتكرر بمرحلة سابقة وأخرى لاحقة ولكن بتبريرات مختلفة.. وإن المركبات التي يستقلها أشخاص يفوضون انفسهم للقيام بـ(التنظيف) يتكررون ايضا ولكن كل منهم له طريقته في (التنظيف) ويختبئ خلف واجهة (سلطوية) وبالمقابل إن النزاهة موجودة لدى البعض باقية برغم التغييرات، والفساد يتغلغل وليس له فئات او طبقات معينة. الرواية تطرح حالات وليس احداث متعاقبة (حكايات) هي حالات متصلة من الداخل بعمق تلامس جذور القضايا.
جلسة نقدية
الرواية تحتاج أكثر من قراءة لأني أراها لم تكتب للمتعة بل للوصول الى أسلوب جديد للكتابة والقراءة. ولا أدعي لنفسي أني وصلت لكل التفاصيل الفنية والمضامين الإ اني أجدها رواية جديدة، وأتمنى من النقاد المتمرسين أن يكشفوا لنا عن الجوانب الغائبة، بتحليل ربما يحتاج الى كتاب وليس الى مقالة قصيرة كمقالتي.كما أقول لو قُيّض لهذه الرواية ان تترجم فستكشف عن قيمة فنية مهمة تعكس امكانية السرد العراقي للخارج.. مهدي إزبين اختزل في الجانب الفني كل تجاربه السابقة في الروايات الثلاث والمجاميع القصصية في هذه المنجز السردي.ثمه ملاحظة واحدة اريد ان اشير اليها هو انني لم اشعر بقوة موضوع السرد، اقصد وحدة وقوة الثيمة، ولا تاثير الشخصيات كأن السارد ارادهم وسيلة للسرد وليس غاية، شخصيات غائمة نوعا ما.واخيرا لا انصح بإقامة جلسة احتفائية لهذا المنجز لأنها لن تخدم هذا الجهد، لكني اؤك جلسة نقدية تأخذ زمنا كافيا تقيمها جهة الاصدار وتحشد لها آراءاً نقدية مختلفة ضد كانت او مع التجربة ـ ان صح هذا التعبير ـ لتحقيق التفاعل الادبي، بما يجعل هذه الرواية نقطة إنطلاق لورشة سردية من أجل جديد للسرد العراقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى