«همْس الجنون» لنجيب محفوظ.. حكايات بلا بداية ولا نهاية

أحمد رمضان
قصص من دروب الحياة تحكي عِبر وحقائق يعتبر بها كل شخص، روايات من رحم الواقع المُعاش بكل ما فيه من مآسٍ تدل على كينونة الإنسان وقلة حيلته، حكاوي تمرّ أمام الأعين ضاربه أعظم الحكم.
النفس البشرية وخباياها. ما وراء تلك الحقيقة الميتافيزيقية سوى الوَهن والضعف والنفاق وقليلٌ من الوفاء.
يسرد نجيب محفوظ في مجموعته القصصية تلك عدة قصص يتراوح فيما بينها حال الإنسان ومدى خيبته وتدهوره، وحقيقة ما نعيشه من زيف وقلة حيلة فيما بيننا.
من القصص التي برزت الكذب ومدى خيبته في تلك المجموعة هي قصص (الزيف، خيانة في رسائل، كيدهن، نكث الأمومة، حلم ساعة) عِبر ووقائع من حياتنا الإجتماعية، لا نزال نعيش فيها ممدوة أمدْ الزمن، طالما يعيش الإنسان ها هنا.
تُمثل قصة (بدلة الأسير) أرقى وأعظم قصة من بين سطور تلك المجموعة القصصية. كان جحشة بائع السجائر هو أول الوافدين لمحطة قطار الزقازيق عند وصول قطار ترحيل للجنود الطليان، وإبتاع جحشة سجائر مقابل ملابس الجنود وكان أقصى ما يتمناه أن يستر نفسه مثل (الغر) سائق أحد الأعيان، نفدت بضاعته وأخيراً شعر حاله كمواطن ذَي قيمة، ولكن حينها أمره الشاويش بدخول العربة؛ لإعتقاده أنه جندي إيطالي، وحين لم يمتثل لأوامره صوب لصدره طلقه، فأرداه قتيلاً!
ما قيمة الحياة التي أراد فيها شخص ما، أن يحيا فيها مثل غيره، ليعتقد آخر بكل طيش أنه ممن يحرسهم، وبدلاً من المسك به، يقوم بقتله!
كثيرة هي القصص التي تناولها محفوظ في أولى مجموعاته الأدبية على الإطلاق، ليخلص في النهاية بعديد الحقائق التي تسبر الذات البشرية.
يحلم دائماً الإنسان بما لا يملك وعندما يملك يحلم بما لدى الآخرين ولو كان بسيطاً. الإنسان لا تظهر حقيقته على الملأ أبداً، حتى لو راقبته عن كثب. لا حقيقة ثابتة بداخل كل شخص يستطيع الآخرون الوقوف عليها، ولكن الحقيقة تظهر وقت الشدة. صفة «المكر» لعلها أشد الصفات ثباتاً في كينونة معظم الأشخاص ولو على المدى البعيد.
عدة حقائق سيكولوجية تنمو في صدر كل شخص، تُنذر بحقيقة واحدة، أن الإنسان هو شخص ضعيف وقليل الحيلة ومسكين لأبعد الحدود، برغم ما يُظهره من تفاوت وهمي ليقنع من حوله بكمال أخلاقي وتماسك حكيم لكل القيم.



