النسخة الرقمية

الإطعام من موجبات الرزق

الطعام حاجة أساسية لا بدّ منها لعيش الإنسان وبقائه على قيد الحياة. والإسلام لا يريد أن يُترك الإنسان فريسة الجوع. وعليه لا بدّ من تفعيل مبدأ التكافل من أجل إطعام الجياع وسد رمقهم. فمن الضرورة بمكان أن يبدأ الإنسان بسد جوع من يقرب له نسباً أو مكاناً، وفي هذا الصدد يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله):«والذي نفس محمّد بيده لا يؤمن بي عبد يبيت شبعان وأخوه ـ أو قال: جاره ـ المسلم جائع»وفي هذا الحديث إشارة تستحق التأمل، وهي أن الاتجاه التكافلي جزء لا يتجزأ من الإيمان القلبي. فالإسلام ـ كما هو معلوم ـ إيمان وعمل، والتكافل هنا يقع ضمن دائرة الإيمان العملي، وبدون ذلك لا يمكن إطلاق صفة الإيمان الكامل على من لا يمارس التكافل..ويبدو أن لإطعام الطعام تقدماً رتبياً على بعض أعمال الإحسان، يظهر ذلك من قول الإمام الصادق (عليه السلام): «لأن أُطعمَ مؤمناً محتاجاً أحبُّ إليَّ من أن أزوره، ولأن أزوره أحبّ إليَّ من أن أعتق عشر رقاب»..وليس خافياً بأن هناك أولوية وتقدماً رتبياً في الإسلام لبعض أعمال التكافل على بعض، وإنّ لكلّ عمل خيري ثوابه الخاص به، وحسب أهميته، وما يدخله من نفع أو خدمة على المؤمنين..وضمن هذا السياق للإطعام في الإسلام غاية سامية هي سد رمق الجياع، وإبعاد شبح المجاعة عنهم، وليس الغاية منه التفاخر، أو تحقيق أغراض مصلحية ببذله للأغنياء وحجبه عن الفقراء. ومن الشواهد على ذلك: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كتب إلى ابن حنيف عامله على البصرة يعنّفه بشدّة: «يابن حنيف! فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها تُستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ وغنيّهم مدعوّ»وكان الأولى بهؤلاء أن يدعوا الفقراء إلى طعامهم، ولكن يبدو أن الغايات المصلحية أو المجاملات كانت لها الأرجحية، فالإطعام إذن يراد منه وظيفة اجتماعية تكافلية بعيداً عن الإسراف والتبذير والتشريفات الفارغة أو الأغراض المصلحية ومن أدب الإسلام في الإطعام أن يبلغ الغاية في إشباع الجائع، ويصيب الهدف المراد به إسعاف المحتاج إلى الطعام بما يُلبي حاجته الفعلية منه،إن الإطعام له معطيات حميدة على المطعم، إذ يساهم في زيادة الرّزق، فعن الرسول (صلى الله عليه وآله): «الرّزق أسرع إلى من يُطعم الطعام من السكين في السنام»[9]. وبالمقابل هناك عواقب غير حميدة سوف يواجه تبعاتها كل من يطمس رأسه في رمال اللامبالاة تجاه إخوانه المؤمنين، وخاصة أولئك الذين يصابون بالتخمة بينما المحيطون بهم يبيتون وبطونهم خاوية، وفي هذا الخصوص قال الإمام زين العابدين (عليه السلام) محذرا: «من بات شبعان وبحضرته مؤمن طاوٍ، قال الله تعالى: ملائكتي! اُشهدكم على هذا العبد أنّي أمرته فعصاني وأطاع غيري فوكلته إلى عمله، وعزّتي وجلالي لا غفرت له أبدا» وكان هذا الإمام العظيم يخرج في اللّيلة الظلماء ويحمل الطعام أو الحطب على ظهره حتّى يأتي باباً باباً فيقرع ثمّ يناول من يخرج إليه، وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيراً لئلا يعرفه، فلمّا توفي فقدوا ذلك، فعلّموا أنّه كان علّي بين الحسين عليهما‌السلام وكان أئمة أهل البيت:يحرصون على أداء صدقة السرّ، فيحملون الأطعمة في الليالي المظلمة للناس، ضاربين بذلك أروع أمثلة التكافل، وكان الناس سرعان ما يكتشفون أن الرجال الذين يوزعون عليهم الأطعمة والمعونات في الخفاء هم أهل البيت.. لقد اقتدى أهل البيت: برسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان لهم به (صلى الله عليه وآله) أسوة حسنة، ومما عُرف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه: «ما شبع ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا، ولو شاء لشبع، ولكنه كان يؤثر على نفسه».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى