لماذا تتدهور أوضاعنا النفسية ؟ وكيف نتجنّب ذلك قبل وقوعه ؟
السيد عباس نورالدين
كل إنسان طالما أنّه موجود في هذا العالم فسوف يتعرض لامتحانات واختبارات تقلب أحواله النفسية. وهذا ما يعبر عنه بفتنة الحياة الدنيا. فالفتنة بحسب السياق القرآني هي أي حادثة أو تغيير يطرأ على حياتنا فيهزّ أعماقنا ويظهر بواطننا ويعلن خفايا سرائرنا.. والفتنة جزءٌ من نظام هذا العالم الذي جعله الله تعالى مهد تربيتنا وتكميلنا. فلكي نتكامل ينبغي أن نتعرّف إلى حقيقة أنفسنا، وبذلك تجري عملية الإصلاح والتغيير. وهنا يأتي دور الفتنة والاختبار..قد نستغرق في رتابة الحياة، فتتراكم طبقات الاهتمامات والميول والمشاعر إلى درجة تصبح معها حجابًا سميكًا يحول دون الوعي الذي نحتاج إليه لإدراك مكنونات أنفسنا. وهكذا، تصبح هذه المشاغل والاهتمامات قناعًا يخفي حقيقة ما نحن عليه؛ الحقيقة التي سنُحشر عليها يومًا، ونؤول إليها في نهاية المطاف. وحين ترسو سفننا الهائمة في بحار الأعمار، يكون مصيرنا وفق تلك الحقيقة لا غير.. والذكيّ النبيه هو من يجعل معرفة باطنه وسرّه هدفًا لكلّ تحرّكاته ووجهة لمسيرة حياته. وفي الواقع إنّ وجود مثل هذا الهم والاهتمام والهدف هو أحد شروط عبور الفتنة بنجاح..ويمكن أن تكون الفتنة خيرًا ومنفعة، لكن هذا الخير إذا وصل إلينا أو اتّصل بنا، وكان أكبر من استعدادنا وتوقّعنا، فسوف يهزّنا بقوّة ويزلزل كلّ كياننا؛ وهذا ما يحصل في فتنة الشر أيضًا. فالفتنة تتسبّب بالهزّات العميقة الصادمة بسبب عدم توافق حياتنا وأوضاعنا مع متطلّباتها. وفي الواقع إنّ استعدادنا للفتنة هو الشرط الثاني لعبورها بنجاح. وهذا ما يحصل فيما إذا جعلنا حياتنا متلائمة معها أو مهيّأة لها؛ ففي مثل هذه الحالة قد يهمد زلزالها الشديد أو يتم احتواء مفاعيله السلبية والآن، فلنتصور ما يحدث للإنسان غير المستعد إذا افتُتن:أوّل وقائع الفتنة هي المفاجأة أو الصدمة؛ والتي تؤدّي إلى إفقادنا التوازن الذي نحتاج إليه للتعامل بحكمة أو قوّة نفس ووضوح مع الأمور وبعدها يأتي دور الشعور بالخسارة الكبرى إذا كانت الفتنة شرًّا؛ وإذا كانت خيرًا، فربما يسيطر علينا شعور يشبه حال من ملك العالم كلّه، ولم يعد ينقصه شيء. وفي هذه السكرة غالبًا ما يفقد الإنسان القدرة على رؤية الأمور رؤية صحيحة؛ وأخطر ما في هذا العمى والغفلة: انقطاعنا التام عن مسبّب الأسباب ومن بيده أزمّة الأمور ومن هو الفاعل والمؤثّر الحقيقيّ؛ أي الله الواحد الأحد الخالق البارئ المصوّر.زفماذا يحدث هنا بالضبط؟في مثل هذه الحالة، ورغم أنّنا كنّا نعتقد بالتوحيد والألوهية ونعيش الكثير من الإيمان، الذي نستحضره في يوميات حياتنا أو نعتدّ به حين نرى مصائب الآخرين، لكنّنا سنبدو في دخيلة أنفسنا وكأنّنا فقدنا كل ذلك الاعتقاد والإيمان، وكأنّ قلوبنا خلت من كل إيمان عرفناه؛ فيصبح كل شعور جميل حول الله مجرّد صور ذهنية أو ذكريات لا تلقى أي صدى من القلب. وكأنّ هذا القلب قد تحوّل إلى بئرٍ عميقٍ لا قعر له، مهما ألقيت فيه لا يرجع لك صدًى..فإذا امتلكنا زمام أنفسنا، وصبرنا في المدّة اللازمة لانقشاع سحب الأدخنة والضباب، فمن المحتمل أن نتمكّن من الإبصار مجدّدًا، وقد نرى بعد الصبر أنّ ما حسبناه كبيرًا لم يكن سوى شيء ضئيل في دائرة أحداث العالم والحياة والمصير..إنّ الدرس الأعظم وراء كل فتنة يكمن في اكتشافنا لحقيقة أنفسنا التي هي عين الضعف والعجز والفقر. وكل هذه الصفات والخصائص تعني شيئًا واحدًا، وهو أنّ كل ما نحصل عليه من إيمان وقوّة وثبات في هذه الحياة لن يكون ذاتيًّا لنا متّحدًا معنا، حتى لو بلغنا أعلى مراتب الكمال. ومن لم يخرج بهذا الاستنتاج ولم يعرف هذه الحقيقة، فقد سقط في الفتنة وإن نجا منها! ولا شيء يشبه الاستدراج الذي يمكن أن يحصل في صورة الاعتقاد بالنجاة حين لا يكون هناك سوى السقوط..فكل فتنة وكل امتحان وكل زلزال في هذه الحياة إنّما يهدف إلى زيادة وعينا بحضور الله وتعلّقنا به ومعرفتنا بشدّة احتياجنا إليه؛ ولم تكن الفتن يومًا لأجل سلبنا شيئًا من حطام الدنيا أو منحنا إياه. فتلك أمور تأتي وتذهب كفصل الربيع. لكن الذي يبقى معنا هو الرؤية الثاقبة والبصيرة النافذة والمعرفة العميقة لأسرار هذه الحياة التي هي هذا العالم المتلاطم بتجلّيات الله.



