النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

الحلقة الاخيرة

السَماويّ يحيى أو «عملاق مِنْ عمالقةِ الأدب، ونخلة عراقية مِنْ نخيلِ السماوة» بحسب توصيف الشاعرة رند الربيعي، أجاب عَن سؤال يتعلق بظروفِ كتابة قصائده بالقول: «الشَّاعِر والصيّاد توأمان سياميان، كلاهما ينصب فخاخه وشِباكه ويبقى متحفّزاً محدّقاً بالأفق – باستثناءِ فرق واحد بينهما، فالصياد هو الَّذِي يصطاد طريدته، أمّا بالنسبةِ للشَّاعِر، فإن الطريدةَ هي الَّتِي تصطاده، فالشِّعْر حصان أصيلٌ عنيدٌ كثير الإعتداد بنفسِه، وبسببِ أصالته وَعناده وَاعتداده بنفسِه فإنه يُصرّ أنْ يختارَ – هو وليس فارسه – وقت الركض وَشكل الميدان وَنوع الركض، حين أكتب القصيدة، أكون أنا الحصان، وَالشِّعْر هو الفارس الذي يملي شروطه عليّ». وَثمة رؤية مهمة للسَماويّ يحيى، أبلغني إياها ذات متنبئ فِي أمس قريب بصيغةٍ بليغة أوجز فِيها إجابات لأربعةِ أسئلة «الشعر، السياسة، رحلة التربية، الغربة»، طالما كانت موضع عناية واهتمام الباحثين والدارسين، فضلاً عَنْ متذوقي الأدب، وَالَّذين ما انفكوا عَنْ سؤالٍ مفاده: أين وجد السَماويّ نفسه مِنْ بَيْنَ تلك الفضاءات الأربعة؟ إذ قال السَماويّ مَا نصه: «وجدتُ نفسي في الشعر، فالشعر هو المرض الوحيد الذي أسأل الله في مساعدتي كي لا أشفى منه، ولسبب جوهريّ، هو أنني لا أمارس حريتي إلآ على الورق، ولأنه المنديل الوحيد القادر على تمسيدِ جرحي ومسح دموع قلبي، ولأنه أيضا الأفق الرحب الذي أطلق فيه حمائمي نحو نهر الأنوثة الضوئي لتعود لي محمّلة بالهديل، لكنني استفدتُ من جداول السياسة والتدريس ومن الغربة في إنماء عشب أبجديتي، فجدول السياسة ساهم في مدِّ جذوري داخل طين العراق، وجدول مهنة التدريس ساهم في ترسيخ موضوع ثقافة الأسئلة، وأما الغربة فقد أثبتت لي أنَّ الإنسان كلما ابتعد عن وطنه فإنه سيزداد اقترابا منه والتصاقا به وشوقاً إليه».
مَـطَـراً مـن الأعـيـادِ جـئـتِ
وكـنـتُ قـبـلـكِ ـ كـالـعـراقِ ـ يـتـيـمَ عِـيـدْ
حَـدَّقـتِ بـي وسـألـتِـنـي:مـن أيـن أنـتَ؟
فـقـلـتُ: مـن أعـرابِ بـاديـةِ الـسـمـاوةِ مَـسَّـنـي عـشـقٌ
فـغـادرَنـي الـرشـادُ وهـأنـا: الـحـيُّ الـشـهـيـدْ
قـبـري مـعـي يـمـشـي ولا صـحـبٌ سـوى مـوتـي الـمُـؤجَّـلِ
أقـتـفـي أثَـرَ الـمـلاكِ الـسـومـريـةِ فـانـتـهـيـتُ الـى بـلادِ الـغـربـتـيـنِ
وهـأنـا: تـسـعٌ وعـشـرون انـتـهـيـنَ ولـم أجـدنـي فـابـحـثـي عـنـي
صـفـاتـي: نـخـلـةٌ مُـذ غـادرَتْ بـسـتـانـهـا عَـقُـمَ الـنـضـيـدْ
إنـي عـثـرتُ عـلـيـكَ ـ قـلـتِ ـ فـقـمْ مـعـي لِـنُـعـيـدَ لـلـبـسـتـانِ خـضـرتَـهُ
ولِـلـتـنُّـورِ أرغـفـةَ الـمـسـرَّةِ والـسـمـاوةَ لـلـشـريـدْ
عـنـدي شــفـاؤكَ مـن ضَـيـاعِـكِ فـيـكَ فـادخـلْ آمِـنـاً قـلـبـي
وكـنْ فـي الـعـشـقِ سـادنـيَ الـوحـيـدْ
ابن الفرات الأوسط الشَّاعِر العراقي يحيى الكاتب، كَتبَ مشخصاً إبداع السَماويّ يحيى، وَمعبراً عَنْ شاعريتِه، وَمبرزاً للتناصِ وَالتجديد وَالتحديث فِي تجربتِه الشِعْريَّة، فضلاً عَمَا أجاد بِه مِنْ نتاجٍ قد لا يتكرر بسهولةٍ بقولِه «يعجز الكتاب والنقاد عن درء مفارز التشبيه والاستعارة والكناية ومفاتيح التعابير الأدبية والبيان والبلاغة والجناس والطباق التي وظّفها السماوي بشكلٍ يتفوق على غيره، مستفيداً من بعض تجارب من سبقه ليضع نقاطاً وعلامات لم يضعها من سبقه، فجاءت تجربته وحكمته متكاملة زاهية احتلت صفحات مجيدة من تاريخ الشعر العربي، وسجلها باسمه مفتخرا باستحقاقٍ ليس من منة لاحد عليه، وأكثر من هذا الشغل والمشاغلة التي احدثها الشاعر في المشهد الادبي العراقي والعربي والعالمي انه كان متواضعا جميلا، مما ألبس نتاجاته الغزيرة بردة البلاغة والبيان، موظفاَ ما أكتسبه من خبرة وحنكة ثقافية وأدبية في إشهار لوحة التجديد الماسية وأنا أول المبهورين بتجربته وإنسانيته وأغبطه على تملكه لكنانته الأدبية التي لا تنضب من أسلحة التعبير المتطورة بما اضاف لها وألبسها حللا جمالية أخرى». كذلك كَتبَ ثانيةً فِي مداخلةٍ حول إحدى الدراسات الَّتِي تناولت تجربة السَماويّ مَا نصه «الشَّاعِر الكبير والإنسان الكبير يحيى السماوي كانت تجربته الشعرية جديرة بالاهتمام والدراسات لأنه أغنى المكتبة العربية والعالمية بالمألوف وغير المألوف من الشعر العربي، وجدد وأضاف وتألق وتسامى حتى أستحوذ على قلوب الأدباء والشعراء والمثقفين والناس المتلقين والمتذوقين، فصار علامة فارقة كاد يكون أو أنه كان مثار اهتمام الناس وانشغالهم فتألفت بحقه الكثير مِن النصوص النقدية، وتدارست تجربته في كثير من جامعات العالم وصار مادة بحث الرسائل العلمية والعملية للماجستير والدكتوراه، وشغل الناس وملأ الدنيا حتى يتخلد بحياته لا بمماته أطال الله في عمره الكريم وأنا أسال له الذي علم بالقلم أن يحفظه بعينه التي لا تنام».
سـأقـومُ مـن قـبـري لأحـيـا مـن جـديـدْ:
طـفـلاً.. فـتـىً.. شـيـخـاً كـمـا قـيـسُ الـمُـلـوّحُ
لا كـهارون الـرشـيـدْ
هـيَّـأتُ نـاراً لـلـتـصـاويـرِ الـقـديـمـةِ والـرسـائـلِ والـمـنـاديـلِ الـحـريـرِ
ومـعـولاً لـكـؤوس مـائـدتـي
ومـحـرابـاً يـلـوذ بـهِ مـن الأمـسِ الـبـعـيـدْ
مـا سـوف أتـلـو مـا تـيَـسَّـرَ فـي جـلالـكِ مـن قـصـيـدْ
وضـيـاءَ قـنـديـلٍ يُـريـنـي مـا أريـدْ
لا تـسـألـيـنـي عـن رمـاد الأمـسِ قـد أبـدلـتُ ذاكـرتـي
فـخـبـزُ الأمـسِ تِـبـنٌ والـنـمـيـرُ كـمـا الـصـديـدْ
عـدتُ الـجـديـدَ كـمـا الـولـيـدْ
مَـلِـكـاً غـدوتُ
وكـنـتُ آخـرَ مُـسـتـبـاحٍ مـن سـلالاتِ الـعـبـيـدْ
ليس خافياً أنَّ مهمةَ تعزيز دراستي الحالية بِمَا متاح مِنْ معلومات، ألزمني الحرص عَلَى متابعةٍ دقيقة لِمَا ينشره السَماويّ يحيى مِنْ نتاجاتٍ أدبية، بالإضافةِ إلى مَا يُكتَب عَنه بمَا تبايِن مِنْ أجناس الكتابة الأدبية. وَقد كانت معاينة آراء القراء الأعزاء مِنْ بَيْنَ آليات هَذَا النشاط الَّذِي دلني عَلَى مداخلاتٍ وَتعليقات تعكس خزيناً ثقافياً وقدرة عَلَى التعبيرِ بأسلوبٍ أدبي جميل، وَليسَ أدل عَلَى ذلك مِمَا يكتبه القارئ الكريم «سيد حميد الراضي» الَّذِي لفت انتباهي منذ مدة فِيمَا يكتبه مِنْ تعليقاتٍ جميلة وموضوعية حيال بعض مَا ينشره السَّماويّ يحيى مِنْ نتاجٍ شعري فِي المواقعِ الإِلِيكْتُرُونِيَّةُ، فظننت بداية أَنَّه أحد طلبة السَّماويّ فِي مدينة السَماوة، فبدأت البحث الحثيث عَنه فِي قناةِ التواصل الاجتماعي «فيس بوك»؛ لأجلِ الحصول عَلَى مَا يُشبع نهمي مِنْ معلوماتٍ قصد تعزيز الدراسة الحالية، لكني فوجئت بِمَا خالف ظني وتوقعي، حيث ظهر أنَّ الراضي – الفنان المسرحي السابق وعاشق الشعر وَاللغة العربية – مِنْ سكنةِ مدينة بغداد، وَلَمْ تكن لَه معرفة بالسَّماويّ إلا خلال هَذَا العام بعد أنْ أعجب – بحسبه – بما ينشره مِنْ نتاجاتٍ عبر مَا متاح مِنْ الوسائلِ الإعلامية، وَلاسيَّما المواقع الإِلِيكْتُرُونِيَّةُ، ومِنْ خلالِ متابعة الراضي لأنشطةِ السَماويّ أشار إليه ذات مرة بالقول «السَماويّ شاعر وإنسان، أبهرني بما يملك من شعرية عظيمة تضاهي الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، وله طريقة مبتكرة بمزج موضوعات كبيرة في الحب والتصوف والغربة وحب الوطن والأرض والإنسان وموضوعات كثيرة بتركيباتٍ بسيطة ومعانٍ كبيرة وخيالات جامحة – السهل الممتنع – وهذا هو الابداع والخلق بعينه». ويضيف الراضي «حين أقرأ شعر السماوي، لا أتمالك نفسي، فأجمح معه، وينتابني شعور بأني مَنْ قال هذه المقطوعة أو كتب تلك الرباعية أو القصيدة، وذلك لسبب بسيط لأنه شاعر حقيقي وصاحب تجربه قاسية.. هكذا يبدو لي».
ذات أصبوحة شَدْوٍ، أريجها ذائقة قريض السَماويّ بأسلوبِه خفيف الظل مِنْ سهلٍ ممتنع، بادرته بسؤالٍ عَنْ فلسفتِه حيال معنى الوفاء، فأجابني السَماويّ يحيى بصراحتِه المعهودة: كتبت يوماً إلى الأديبِ المناضل صباح محسن جاسم مَا أحسبه جواباً عَلَى سؤالك بِمَا نصه «رفيق صباي وشبابي وصديق أمسي البعيد، وما تبقى في حقيبةِ عمري مِنْ زمنٍ لم أعشه بعد، أتعمد الإعتراف بين يديك بحقيقة أنني تعلمت مِنْ صبرك ما ساهم في فخرِ طين صبري ليغدو أكثر صلابة مِنْ قرونِ الوعل، كما تعلمت مِنْ وفائكَ والبقاء على العهدِ ما عمّق إيماني بأن الحب كالوطن وكالدين.. فكما أنَّه لا يمكن أنْ يوجدَ نصف دين ونصف وطن ونصف حب، فإنَّه لا يمكن أنْ يكون الوفاء إلآ كاملاً تماماً كـ: (الحب والدين والوطن»، فأيقنت إنَّ العشقَ يمسحُ قلوب بني آدم بمنديلِ الطَهَارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى