النسخة الرقمية

كيف نزيد من محبّة أهل البيت «عليهم السلام» ؟

السيد عباس نورالدين

كل حبّ يذوي أو يزول إن لم نزّوده بوقوده الحقيقيّ. وزاد الحبّ الأكبر ووقود العشق الأسمى هو وِصال المحبوب. ولا شيء يحكي عن الوِصال ويحقّقه مثل التعرّف إلى المحبوب وملاحظة تجلّياته..فحبّ الكامل أمرٌ فطريّ مغروز في أعماق البشر ومجبول مع طينتهم. وكلّما كانت الفطرة صافية، كان الانجذاب إلى المحبوب أشدّ والإقبال عليه أقوى..إنّ الانجذاب إلى المحبوب الكامل هو انجذاب إلى كلّ ما يمثّله من فضائل وكمالات. إنّه السّعي الباطنيّ والاندفاع القلبيّ نحو الغاية التي خُلق الإنسان لأجلها. لذلك كان الحبّ أعظم أركان الوجود. ولم يكن الدين سوى الحبّ..وحين تشتعل شرارة الحبّ في الباطن، يكون الإنسان مستعدًّا للتدرّج حتّى يبلغ أسمى حالاته. فالشعلة الباقية علامة على وشك انفجار البركان.. ولا تبقى الشعلة ولا يزداد اللهيب إلّا بتحقّق الوِصال من الطرفين. فمن جهة الكامل هناك التجلّي بالجمال والكمال، ومن جهة الناقص هناك التعرّف والإقبال..ويمتلك شعبنا الاستعداد الفطريّ المناسب لتحقّق هذا الأمر الرائع، فهو يرتع وسط تراثٍ عظيم من تجلّيات أعظم خلق الله وأكملهم. ولا ينقصه شيء من النصوص التي تدلّ على عظمة مقاماتهم وحقائق مراتبهم؛ إلا أنّ المشكلة كانت، وما زالت، في إيصال هذه المعارف إلى الناس. لقد حثّ الإمام الرضا، حفيد النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)، أصحابه على القيام بهذا الدور، فقال لهم: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً أَحْيَا أَمْرَنَا، فَقُلْتُ لَهُ وَكَيْفَ يُحْيِي أَمْرَكُمْ قَالَ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ إِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونا»،ولا اتّباع للكامل إلّا بمحبّته. لأنّ الناس إمّا أن يتّبعوا أهل الدرهم والدينار، أو أصحاب الفضيلة والكمال. والأوّل أعرض عنه أهل بيت العصمة والطهارة وورثة الأنبياء، الذين قالوا: «إنَّ الأنْبياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا ديناراً ولا دِرْهماً وَلِكْن وَرَّثوا الْعِلْمَ».وزهدوا فيه لأنّه ليس حقيقة الفضيلة. وإنّما كان لهم السبق في الفضائل الحقيقيّة والكمالات الواقعيّة وعلى رأسها العلم. ولهذا، لم يكن من تجلٍّ أجمل من تجلّي المحبوب بالعلم. ولولا العلم لما كان لكلّ الخصال الحميدة من جمالٍ أو ظهور..وللبيئة الاجتماعية والثقافية أكبر الأثر في نجاح هذه العمليّة أو فشلها. ففي بيئة عاشت ردحا طويلًا من الزمن وهي تستظلّ من التراث الشعريّ العرفانيّ، كإيران، يسهل الحديث عن كمالات الأولياء ومراتبهم العرفانيّة الملكوتيّة دون أن يحدث ذلك أي استهجان أو نفور. وربما لأنّ الخطوط الفاصلة بين الألوهية والعبودية قد ترسّخت على مدى تلك العصور، ولو بالمقدار المطلوب..وأمّا إذا كانت البيئة مُحاطة بعواصف الآراء والاتّهامات المختلفة بالغلوّ، فسوف تصبح مستنفرة فوق الحدّ، فتجدها مائلة إلى الإفراط من جهة أو التفريط من جهةٍ أخرى. ويصبح الحديث عن مقامات الكامل ومنزلته الروحيّة مغامرةً غير مأمونة العواقب. فالذين يعيشون تحت تأثير اتّهامات الغلوّ، وقد نال ذلك من عقيدتهم، وأثّر في شخصيّتهم هزالا وعُقَدا، سوف يستنكفون عن سماع ذلك، فتشمئزّ قلوبهم وتنفر، ولا يزيدهم الحديث عن المحبوب سوى بعدًا ونفورًا. والذين واجهوا اتّهامات الغلوّ بعصبية مذهبية أو بانتفاضة الرفض الأبيّة، قد تجدهم مائلين إلى تحميل تلك النصوص فوق ما تحمل..وإذا كانت بيئتنا غير جاهزة لمثل هذا الخطاب العشقيّ، فمن الضروريّ العمل على مدّها بتلك المعارف والأفكار التي تساعدها على فهم حقيقة العشق ومعاني الكمال الإنسانيّ. ويستحضرني بهذا الخصوص عملٌ رائع للشهيد العلّامة المطهري، ظهر في كتابه حول الإمام عليّ (عليه السلام) وقوّتي الجذب والطرد فيه، نُشر قبل حوالي نصف قرن. فقد أحسن هذا العالم النحرير، وأجاد في التقديم لقضيّة الحب، وهيّأ النفوس من خلال التفسير الرائع لهذه الظاهرة وارتباطها بجوهر الدين. ولا ينبغي أن نتوقّع حصول الآثار المعنوية للحركة الفكرية بين عشيّة وضحاها، لأنّ طبيعة التغييرات النفسية الاجتماعية تتطلّب وقتًا مديدًا من العمل الفكريّ والتعليميّ..وفي بيئةٍ تعجّ بالمشاكل الفكريّة والأفكار المشوّشة حيال قضيّة عظمة أهل البيت وعظمة الإنسان الكامل ومقاماته، لا يبدو أنّ هذا العمل سهلٌ وميسّر. فيحتاج المنشد إلى تلك الأشعار والنصوص التي تدفع تلك الأمور المشوِّشة أوّلًا، وتطرد القلق الذي يعشعش في النفوس إزاء القضايا العرفانيّة ثانيا، ليكمل سيره المعنويّ في مقامات المحبوب العظيم. وهذا ما يتطلّب نصوصا إبداعيّة عصريّة عميقة وسلسة يفهمها الشباب ويأنسون بها..وإنّنا بحاجة إلى الأدب العرفانيّ، الذي يأخذ بعين الاعتبار المشكلات النفسية والفكرية، الذي ضجّ بها مجتمعنا وأضعفت تفاعله مع الخطاب العشقيّ الذي له أجمل الآثار التربوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى