النسخة الرقميةثقافية

د. أحمد ناهم يناقش الكولونيالية في جمعية الثقافة للجميع

المراقب العراقي/ امل الطائي

إحتفت جمعية الثقافة للجميع بالدكتور أحمد ناهم في فضاءات مقهى نازك الملائكة يوم الاثنين الماضي حول موضوع «الكولونيالية»، أدار الجلسة د. أثير محمد شهاب بحضور عدد من النقاد منهم الناقد المبدع بشيرحاجم. حضر الندوةَ عددٌ من الادباء والمهتمين بموضوع الكولونيالية وتتبعه تاريخيا، ألقى الدكتور ناهم دراسته حول الموضوع وإلقاء الضوء عن كثب بمعنى ومرادفات تلك الكلمة مع الإشارة الى بداية استخدامها والإشارة الى شواهد تاريخية حقيقية رافقت نشوءها ورأي الادباء والسياسيين منها بين مناهض ومؤيد للفكرة وكل ادلى بدلوه حول وجهة نظره والدفاع عنها حسب رؤيته للموضوع او بقدر تعلق الامر بمصالح تلك الدول التي أجازت هذا الفعل وروّجت له. تعرّف (الكولونياليّة) بمعنى (الهيمنة والسّيطرة) لدولةٍ ما على أراضي دولٍ أخرى وشعوبها، وقد درجتْ التّرجمات العربيّة على توصيفها (بالاستعمار والاستعماريّة).نشأ المصطلح بالتوازي مع ازدهار الرّأسماليّة كقوّة عملاقة صاعدة في العالم الغربي، والغزو الأوربي لآسيا وإفريقيا، ثمّ بلوغه المرحلة الأعلى، مع القطب الأمريكي المتعاظم، والمسمّاة بالإمبرياليّة “imperialism” إذ وجد البعض فيها رديفاً له. وثمّة من ربط المفهوم ربطاً وثيقاً مع حركة التّنوير والاستكشاف والعقل المرافقة لتطوّر العلوم في القرن الثّامن عشر.تكمن الصعوبة النظرية في تعريف مصطلح الكولونيالية إلى المصطلح اللاتيني colonus ويعني المزارع، ويذكرنا هذا الأصل بأن مفهوم الكولونيالية ارتبط بفعل انتقال مواطنين من دولة الأمة المحتلة إلى الأرض الواقع عليها الاحتلال، واستعمل المصطلح غالبا لوصف أماكن مثل أمريكا الشمالية ونيوزيلندا وأستراليا والبرازيل والجزائر، حيث انتقلت أعداد كبيرة من المواطنين الأوروبيين، وأنشأوا مستعمرات منفصلة عن أماكن معيشة السكان الأصليين.
بينما تشتق كلمة الإمبريالية من المصطلح اللاتيني imperium ويعني القيادة. لم يكن استخدام هذا المصطلح شائعا في الإنجليزية قبل القرن التاسع عشر، واستُخدم لوصف عملية بسط السيادة السياسية والعسكرية على الأمم المحتلة، حيث فرضت عليها حكومات وإدارات أجنبية دون استيطان ملحوظ من مواطني الدولة المحتلة.ان فعل الكولونيالية الذي بدأ يكتسب صفته المفهومية وطابعه الاصطلاحي مع بداية التوسع الأوروبي، مارسه قبلهم الإغريق والرومان والعثمانيون، لكن ما يضفي على الكولونيالية الأوروبية الحديثة هذه الصبغة الفريدة هو تسخيرها للتكنولوجيا الحديثة لصالحها. حيث اصبح بإمكان الأوروبيين إرسال مستوطنيهم إلى أراضٍ بعيدة بين حضارات وثقافات مختلفة دون أن يفقدوا اتصالهم بأرضهم الأم، ودون أن تفقد الدولة الأوروبية سيادتها على الأراضي الجديدة مع الوقت.
في منتصف القرن التاسع عشر ومع سيادة الخطاب الإليزابيثي الذي روّج لفكرة الإمبراطورية البريطانية لاحظ المفكرون وجود افكار تختلف عن ما كان يعني هذا المفهوم، حيث اكتفت بريطانيا بما يمكن أن نطلق عليه السيادة غير المباشرة عن طريق حكومات محلية تدين بالولاء للعاصمة الإمبراطورية.هذا النمط من السيادة كانت تقوده الأغراض الاقتصادية بالأساس، وهو ما دفع مفكرين آخرين عدّ الكولونيالية والإمبريالية ظاهرة ناشئة عن الرأسمالية وامتدادا لها.أشعل الاحتلال والاستكشــــافات العسكرية الإسبانية في منتصف القرن السادس عشر جدلا داخليا كان محصورا في الأوساط الدينية واللاهوتية حول مدى شرعية السيطرة على بلاد الآخرين بالقوة العسكرية، وقد اكتسبت هذه الحملات شرعيتها من ان فكرة الكولونيالية هي مهمة حضارية بالأساس.لكن واقع الحال إن هذه الحملات الجديدة سعَت لسلب الآخرين أراضيهم وثرواتهم وكرامتهم، لكن الأمر لم يمر دون اعتراضات، مما أدّى إلى موجة من التشكيك والنقد ضد «المهمة الحضارية الإسبانية» قادها بارتولومي دي لاس كازاس وفرانشيسكو دي فيتوريا.
يرى فيتوريا في سلسلة محاضرات مبنية على نظرية القانون الطبيعي التي أصّلها القس توماس الإكويني أنه ليس من حق البابا فرض سلطته على غير المسيحيين، وليس من حق الإسبان مصادرة ممتلكاتهم وفرض سيادتهم، لأن قيام المواطنين الأصليين بأعمال تنبع من ثقافتهم، وتشريعهم ليس خرقًا للقانون الطبيعي كما كان يدّعي البابا، لكنه رُغم نقده الحادّ الموجّه ضد الكولونيالية الإسبانية فإنه أجاز الاحتلال الإسباني في حال تعدي هؤلاء السكان الأصليين على ما يُدعى قانون الأمم، وهو قانون يؤصل باختصار شديد لحرية السفر والتجارة.لم يكن النقد الثيولوجي لاعبا وحيدا في ساحة نقد الممارسات الكولونيالية، فقد انضم إليه النقد الليبرالي التنويري في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عبر فلاسفة ألمان وإنجليز وفرنسيين أبرزهم فيلسوف التنوير الألماني إيمانويل كانط والمفكر الاقتصادي والفيلسوف الأسكتلندي آدم سميث والكاتب والفيلسوف الموسوعي الفرنسي دنيس ديدرو.
انتقد هؤلاء الفلاسفة العنوان الكبير الذي اندرجت تحته الممارسات الكولونيالية وهو «مهمة فرض الحضارة على باقي سكان العالم».
وكان ديدرو أكثر منتقدي الكولونيالية حدة، وكان يرى أن الغزو الغربي هو الوحشي والهمجي لا العكس، وذلك بسبب بُعد المستعمرين الأوروبيين عن مؤسسات الضبط والكبح في بلادهم، وانعزالهم عن ثقافات المجتمعات الجديدة بما فيها من نُظم اجتماعية، وهو ما أدى إلى عودتهم للحالة البدائية الوحشية، حيث مارسوا القتل والاستعباد والنهب. انقسم المفكرون والفلاسفة الأوروبيون لمظلة التنوير إلى مدرستين: أولاهما هي المدرسة الليبرالية التي تولى زمامها الفلاسفة الأسكتلنديون والبريطانيون. أقامت هذه المدرسة دعمها للكولونيالية على عمودين أساسينِ هما: نظرية كونية العقلانية الإنسانية والتطور الحتمي للتاريخ.يرى جون ستيوارت ميل الفيلسوف الأسكتلندي أن كل إنسان قادر على تقدير مصلحته، وكل أمة قادرة على الحكم الذاتي لكن هذه القدرة لا تتحقّق إلا في مرحلة معينة من مراحل الحضارة، لهذا فإن المهمة النبيلة التي يحققها الاستعمار الغربي هي إيصال الحضارة لمجتمعات الهامش التي تعاني من التخلف والهمجية، يُضيف ميل أن هذه المجتمعات تعاني من حب مفرط للحرية، وهو ما يجعلها غير قادرة على الوصول للعقلانية التي تفترض التنازل المشترك للوصول للحوكمة الصالحة، لكن رغم هذا التأييد فإن لميل أربعة مآخذ على الاستعمار الغربي:
الأول: أن الحكومات الأجنبية لا تمتلك المعرفة والدراية اللازمة بالمجتمعات المحلية التي تؤهلها لحل المشاكل المحلية بكفاءة.
ثانيا: نظرا للاختلافات الثقافية واللغوية والدينية بين المستعمِرين والمستعمَرين فليس من المرجح أن يتعاطف المستعمِرون مع السكان المحليين، وهو ما سيدفعهم للاستبداد.
ثالثا: حتى لو حاول المستعمِرون التعاطف مع السكان المحليين فإن ميلهم الطبيعي للوقوف في صف المتفقين معهم ثقافيا ودينيا ولغويا ستدفعهم للتحيز غير العادل في حالات الصدام.
رابعا: الحكومات الاستعمارية والتجار يتوجهون للدول المستعمَرة بغرض الربح؛ لذا فمن المرجح أنهم سيقومون بنهب وتخريب هذه الدول بدلا من نشر رسالة الحضارة فيها.
وارى ان تاريخ العراق وحقبه التاريخية المتمثلة بسقوط الدولة العباسية لغاية اليوم لا يخلو من الكولونيالية ومن تعاقب اقوام اجازت لنفسها حكم العراق باسماء شتى منها التحرير و انقاذ العراق شاع استعمال جملة «جئناكم محررين لا فاتحين» واخرين كالدولة العثمانية التي جثمت على صدر العراق لاربعة قرون تركته يعاني من المرض والتخلف وتردٍ في كل شيء، فبعد ان كان العراق وهجا حضاريا لأمم العالم اصبح ينوء تحت كاهل الظلام
جاء بعدهم البريطانيون، كانوا اكثر رحمة من العثمانيين المسلمين بنا، حيث انشأوا مدارس للتعليم وكلية الحقوق، وسن دستور جديد وانشاء كلية لطب، لانه لايمكن لوطن ان ينهض دون قانون وتعليم ونظموا الري بانشاء سدة الهندية وحسنوا المواصلات بانشاء المحطة العالمية.
واليوم جاؤونا باسم الديمقراطية والشفافية وحقوق الانسان وادعوا انهم ساعدونا في الخلاص من الحقبة الحاكمة الماضية ولكن واقع الحال يشير الى تصدير كولونيالية جديدة لنا.نأمل ان يفيق الشعب من غفوته ليدرك حجم الدمار والخراب الذي جلب لنا منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى