العملية السياسية: إجتثاث ضحايا البعث !
عقِب 2003، وبعد سقوط نظام قهر الصدامي شُرع قانون إجتثاث البعث، ضمن أولى القوانين التي جاء بها الحاكم المدني الأمريكي (بول بريمر)، وعندما إكتشف الساسة الجدد أن البعثيين»ثروة!» لا يمكن التفريط بها بشكلٍ جذري، أستُبدل الإجتثاث، بقانون المُساءلة والعدالة وذلك 2008؛ ليُصنف ضمن قوانين العدالة الإنتقالية المؤقتة؛ إذ ينتهي بانتهاء المهمة التي شُرع من أجلها.
لكن «المهمة» لم تنتهِ بعدُ، منذ سقوط الحكم البعثي، وحتى هذه اللحظة، وعلى ما يبدو؛ فإن تلك المهمة ستظل أزلية، حتى يواصل البعث مسلسل إجتثاث ضحاياه!
بعد الترسبات والتخلف الذي ورثته مفاصل الدولة، وفاتورة الحروب المتوالية، ونظامٍ حَكَم البلد ما يقارب نصف قرن من الزمن، كانت كابوسا مُرعبا في يقظة العراقيين المغلوبين على أمرهم، وكانت الخطوة في تشريع هكذا قوانين ضرورية وبأوانِها؛ لإعادة ترتيب ما بعثره البعث، وخلق نظام يستمد قوته من تجارب الأنظمة، التي أسعدت شعوبها، وطي صفحة سوداء من تأريخ البلد، سجلها البعثيون في الماضي القريب، بأحرف من الإجرام المعفر بالدم، والمقابر الجماعية، وأحواض التيزاب، ومغامرات القائد الضرورة!
قد تكون الفوضى الطائفية العارمة في 2006؛ قد تركت أثراً كبيراً في تركيبة السلم الإجتماعي، الأمر الذي جعل من إزالة تراكمات الماضي، وتنفيذ إجراءات العدالة الإنتقالية، احلاما ليست سهلة التحقق، ما دامت العملية السياسية (الديمقراطية) في دوامة التناقضات بين القوى السياسية، فإن لم تُحسم المهمة التي سُن من أجلها؛ القانون الذي يستمد وصفاً إستثنائياً، لمعالجة مُخلفات ماضٍ قريب ؛ فالتأخير ليس من مصلحة النظام السياسي الجديد؛ بل يُزيد النار حطباً.
إنهيار النسيج الإجتماعي، وتأخر المُساءلة والعدالة في إنهاء مهمتها، قد يكون من معوقات الوئام بين الأطراف المتخاصمة، ونكتشف عقب إنتخابات 2018 أن البعثيين، طرفٌ بدأ يأخذ مكانه في الحراك السياسي؛ بعدما أتيحت لهم الفرص الكاملة، للإنخراط في مفاصل الدولة؛ المدنية والعسكرية ذات المواقع الحساسة، وبعدما منحت لهم الرواتب التقاعدية المجزية، تثمينا لخدمتهم لنظام البعث!
ستبقى العملية السياسية عرجاء بِساق واحدة؛ لوجود شوائب البعث العالقة في جسدها، مما يسبب بفتح ثغرات خطيرة في النظام السياسي؛ تهدد بإنهياره في أي لحظة، وسنُقتل ألف مرة؛ نتيجة المصالحة التي لم تكن سوى مُخاض حملٍ كاذب.
تنساق الى الذهن عدة تساؤلات؛ إذا كان الإجتثاث قد استبدل بِمُساءلة وعدالة، تحقيقاً لما سمى بالمصالحة الوطنية، فإين أصحاب هذا المنهج؛ يوم ذبح(1700) شهيداً من قاعدة سبايكر؛ أمام أنظار جمهور الشركاء في عمليتنا السياسية؟! وأينها في عمليات النزوح، القتل الجماعي للشيعة والإيزيديين والمسيحيين؟! أي مصالحة، وطرفها مجرم بحق مئات الآلاف من العراقيين، الذين قتلوا ظلماً؟!
لازال قانون المُساءلة والعدالة، تحت تأثير الضغوط، والمغفرة السياسية، ولم يعد إجتثاث البعث، سوى أكذوبة يستخدمها بعض السياسيين، لإعطاء صبغة بهية الصورة للمُصالحة الوطنية التي يزعمونها! ليتوغل البعثيون في حياة العراقيين، ويأخذوا ما كانوا عاجزين عنه في زمن صنمهم، من وظائف، ومناصب عسكرية، وأمنية، ورواتب تقاعدية، ولنبقى نحن ننتظر قانون عدالة بلا مُساءلة، ومُصالحة بلا وطنية..!
كلام قبل السلام: لقاء الرئيس برهم صالح مساء الأربعاء 27/2/2019، مع جمهرة من الساسة، ينطوي على أفكار وإجراءات مبهمة، نخشى أن يكون بينها فتح الأبواب أمام البعثيين وأساطين الإرهاب على مصاريعها..!
سلام..
قاسم العجرش



