«ليلة المعاطف الرئاسية» رواية الأضداد المتصارعة

جمال حافظ واعي
بين الأستاذ عواد الذي يحاول أن يفتدي أبناءه المخطوفين وبين الجنرال كوكز الذي يسعى للعثور على الشيفرة التي تقوده الى اكتشاف المصل الذي يُعاد من خلاله تشكيل الخريطة الجينية للأجنّة الجدد ومعالجة الجين المسؤول عن الخوف، والقضاء عليه نهائيا، برؤية فنطازية، تدور أحداث رواية ليلة المعاطف الرئاسية.
تقودك الرواية الى عالم غرائبي، مدهش، تلاحق مجرى السرد وكأنك تبحث عن كنز في كهوف متعددة، الترقب والانشداد والاستغراق في الحوار ومتابعة التفاصيل بصورتها الواقعية والمتخيلة.. اختلاط الأحداث وجنون المواجهات المسلحة والجثث البشرية المشوهة المتناثرة في الطرقات، حيث: « يهرب البغداديون من الشوارع بمجرد أن تسلم الشمس نفسها لقلعة الظلام. تنزل الشمس ببطء الى مخدعها تاركة الدنيا لقتلة لا نتعرف على وجوههم غالبا « كما يقول الراوي.
لن يجد الانسان له معنى في كل ما يحدث، القتل المشبوه واقصاء المخالف، وكأن القتيل يستلب حق الآخر في الحياة ولا بدَّ من ازاحته.
تختزل الرواية الأضداد المتصارعة داخل النفس والذوات المنشطرة والكلاب التي تنبح فيها والأحقاد المتراكمة التي هي نتاج التلقين اليومي، ويستعصي عليك أن تجد حدودا فاصلة بين الانسان والأقنعة التي تتحكم به، وتصدعاته النفسية التي تجعله عالقا فيها، بل تجعله غابة للنقائض.
فكرة الانتقام الكامنة في النفوس تبحث عن من يستثيرها وقد وجدت ضالتها في انفلات السلطة، حيث زُلزلت جبال الأحقاد والكراهية فأخرجتْ المخبوء، وهكذا انطلقت الوحوش الكامنة، وحوش التاريخ التي ارتدتْ قيافة بشرية لتصول وتجول في الشوارع والأزقة والمدن.
انها نبرة متفردة وجريئة لتسمية الموت العراقي منذ حرب ثماني السنوات مرورا بالحرب الأهلية وتوابعها.
يزخر عالم الرواية باللا متوقع وغير المألوف والخرافي حيث ينهض القتلى من قبورهم، بمختلف قيافاتهم الآدمية وبأعضائهم المنخورة والمتآكلة وهم يروون لنا سيرة القتلة، اعادة الجثث للحياة هو اعادة للتاريخ المطمور الذي دفن مع كل جثة وتعرية لسلطة القتل المجاني، انه رؤية تأويلية لما حدث ومكاشفة من نوع ما، أشبه برجّة عنيفة لانقاذ الحقيقة من الغيبوبة التي كنـــا نعيشها، ذلك لأن التسليم والاذعان لكل ما كانت تقـــــوله سلطة القتل هو غيبوبة.
يعيد الموت تسمية نفسه، بمسميات عديدة، وفي دوائر أكثر اتساعا، وهو يتجول بين سطور الرواية، ويؤاخي بين الطرق التي تؤدي اليه وينفتح الزمن برمته على كوابيس هستيرية وينضغط البشر الى جثة تؤرجحها رياح الجهات الأربع.
ترك الكاتب لقارئ الرواية فضاءاً حرا للسخرية واستدعاء الماضي، فالخوف الذي كان الطاغية يسعى الى القضاء على جيناته الوراثية من خلال مؤسسة الجنرال كوكز المزعومة، كان هو نفسه نموذجيا مثاليا لهذا الخوف، فقد فرّ في أول مواجهة وأخرجوه من حفرة.
الرواية تحاول أن تنتزع من القارئ شيئا ما، أن تورطه في مصائر غامضة، في رحلة ملتبسة، في عالم لم تتضح أبعاده، والذي هو خارج كل توقع.
كتب محمد غازي الأخرس تاريخا آخرَ للفجيعة، لمسرح اللامعقول الذي كنا فيه، أشبه بكومبارس يتساقط تباعا.
لقد أدرك الأخرس ان ما عشناه كان فنطازيا حقا، ولذا فهو بحاجة الى فنطازيا أخرى لترويه!



