النسخة الرقميةثقافية

موت البطل في الرواية

هشام آل مصطفى

وصلتني رسائل ومكالمات من قراء رائعين يتساءلون فيها عن موت البطل الروائي وعن المبرر الواقعي أو الفني لهذا الموت. ولفرط الحزن الذي يشعر به القارئ في لحظة درامية ربما يوجه نقدا للمؤلف الذي يقود بطله إلى حتفه وكأن الحياة خالية من أي سبب للموت. هنا تثار مسألة موت علي سلمان بطل ثلاثيتي الروائية «خلف السدة، دروب الفقدان، اللاجئ العراقي». بالطبع اهتمام أولئك القراء بما أكتب موضع اعتزازي وتقديري ومحبتي. وقد كشفت لي أسئلتهم أنهم فاحصون ولمّاحون استثنائيون. لذا أود أن أشير إلى أن الموت يحمل دلالة واقعية أو رمزية. ثمة أمثلة كثيرة من الأدب الأجنبي التي ينتهي فيها البطل نهاية مأساوية. النموذج الأشهر هو تراجيديات شكسبير التي يموت في واحدة منها بطلا المسرحية روميو وجولييت. في رواية ستندال «الأحمر والأسود» يموت البطل جوليان سوريل تحت المقصلة. ولدى تولستوي في روايته «أنا كارنينا» تموت البطلة تحت عجلات القطار، وفي رواية فرانز كافكا «المسخ» يموت غريغور سامسا في غرفته وحيدا معزولا بعد أن تحول إلى حشرة، أما في رواية سرفانتس يموت المحارب دون كيخوته في منزله بعد حياة حافلة بالصراع. كل هؤلاء الأبطال لقوا حتفهم بطرق وأدوات مختلفة تنوس بين الرمزية والواقعية خلدتهم أعمال أدبية تناولت مجتمعات ترتبط بتجارب لا تشبه التجربة العراقية الغارقة في المأساة والمتاهة منذ الاحتلال العثماني. كافكا يرى أن على المرء ألا يقرأ إلا تلك الكتب التي تعضه وتخزه. إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بضربة على جمجمتنا فلماذا نقرأه؟ كي يجعلنا سعداء؟ يا إلهي. كنا سنصبح سعداء حتى لو لم تكن عندنا كتب. الكتب التي تجعلنا سعداء يمكن أن نكتبها عند الحاجة. إننا نريد الكتب التي تنزل علينا كالبلية التي تؤلمنا، كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا، الكتب التي تجعلنا نشعر وكأننا قد طردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس مثل الانتحار. الكتاب ينبغي أن يكون كالفأس التي تهشم البحر المتجمد في داخلنا.في مقابلة صحافية يجيب الكاتب الإيطالي امبرتو إيكو عن سبب اختياره شخصية محبطة قائلا: «كان ديستويفسكي يكتب عن أبطال خاسرين. هكتور الشخصية الرئيسة في الإلياذة كان خاسرا أيضا. ربما من الممل أن نتحدث عن الفائزين، الأدب الحقيقي دائما يتحدث عن الخاسرين. الخاسرون أكثر روعة».
لقد فطنت قبل نحو خمسين عاما، على الأقل، ولم أرَ العراق خلالها إلا وهو يمضي من تجربة تراجيدية إلى أخرى. احتلالات، سجون، صراعات دموية حزبية. أول شيء يفكر به من يمسك زمام السلطة هو تهيئة سكاكينه لذبح الآخر بدلا من التفكير باحترام الرأي المعارض، ويختار الهدم بدلا من البناء. تلك هي سيرة العراق كما عرفتها قراءة وتجربة، كيف إذن نكتب عن حياة بلا موت؟ لقد كان علي سلمان في الثلاثية بطلا خاسرا وأول خسائره هو بلاده التي تتوارى خلف الحدود فيما هو يجوب طرقات المنافي بحثا عن استقرار لن يجده، لذا جاء موته عملا رمزيا دلاليا لخسارة قاتلة، خسارة وطن.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى