التطوّر الذهني عند الأطفال

د. ندى بركة
إن تطوّر الطّفل الذّهني عمليّة تبدأ في المرحلة الجنينيّة، وهذه المرحلة تأخذ حاليًّا اهتمامًا مضطردًا في دراسة نموّ الطفل وتطوّر قدراته الجسديّة والنّفس حركيّة كما الفكريّة، ذلك أن أي عائق يحول دون النمو والتطور السليمين في هذه المرحلة، يكون له أثر على الحياة في مرحلة ما بعد الولادة. ولربّما يكون هذا الأثر دائمًا، كما في حال تعرّض الجنين لسموم التدخين والكحول أو الأمراض الجرثومية الّتي تعيق نموّه الصّحيح وتؤثّر في قدراته الجسديّة والحسّية الحركيّة والفكريّة. إنّ أفضل الطّرق لدعم التطوّر الذّهني للطّفل هو إعطاؤه الاهتمام والمساندة في ظلّ تلبية حاجاته المادية والجسدية والعاطفية والمعنوية، وتوفير بيئة تعليمية غنيّة. وهنا لا بدّ من التأكيد أنّ الأهل هم المؤهلون، بالدّرجة الأولى لتقديم هذه الرعاية.
يستمر هذا النّمو في مرحلة الطفولة المبكرة، وهنا تدخل عدة عوامل مؤثرة في التطور الذهني للطفل، بدءا من الاستعداد الخَلْقي، ومرورا بالطّريقة التي ينمو بها الطّفل، وكذلك بنوعية المنبّهات في البيئة المحيطة بالطّفل. نعني بالاستعداد الخَلْقي المعطيات الجينيّة التي يحصل عليها الطفل من والديه، وبيئة الرّحم التي يمكن أن تكون سببًا في تغيّر المعطيات الجينيّة هذه، أو في تغيّر تمظهرها الجسدي وكذلك الأمور التي تحصل في مرحلة ما حول الولادة؛ مثل نقص الأوكسجين أو التعرض لسموم أو تناول أدوية أو مواد أخرى.الطريقة التي ينمو بها الطفل تتأثّر بدورها بصحّة الطفل العامّة؛ (وجود مرض، التعرض لحوادث…) وبالسّلامة الوظيفية للأعضاء، وبنوعيّة الغذاء الذي يحصل عليه الطفل.
وأخيرا وليس آخرًا، يتأثر التطور الذهني بنوعية المنبهات في البيئة المحيطة بالطّفل، سواء البيئة الاجتماعية أو العاطفية التي يترعرع فيها؛ كأن يتربّى في حضانة، أو لدى الجدة أو مع أمّه، مع ما يرافق ذلك من أشكال التفاعلات الاجتماعية التي يتعرض لها.
بوابة التطور الذهني
إنّ أفضل الطّرق لدعم التطوّر الذّهني للطّفل هو إعطاؤه الاهتمام والمساندة في ظلّ تلبية حاجاته المادية والجسدية والعاطفية والمعنوية، وتوفير بيئة تعليمية غنيّة. وهنا لا بدّ من التأكيد أنّ الأهل هم المؤهلون، بالدّرجة الأولى، لتقديم هذه الرعاية، لأنهم هم الذين يتفاعلون مع الطفل في مختلف الوضعيات الاجتماعية والتربوية، وهذه التفاعلات هي التي سوف تسمح لدماغ الطفل بالنّمو والتّطور. وقد ظهر ذلك جليًّا من خلال أبحاث فايجوتسكي vygotsky، وهو باحث روسي قام بأبحاثه في أوائل القرن العشرين. نظريات فايجوتسكي vygotsky تؤكد الدور الحتميّ للتفاعلات الاجتماعية والسّياق الثّقافي، في التّطور الذهني للطفل. ووفقًا لهذه الأبحاث، فإنّ تفاعلات الأطفال مع أشخاص يمتلكون عِلمًا حقيقيّا قادرين على نقله للطّفل، يعزز التّقدم في التفكير والتعلم الذي لن يكون ممكنًا، في إطار زمني محدّد، من دون هذه التفاعلات. فما يحتاجه الطفل، وما لا بد أن يؤمنه له الأهل هو عيش تجارب حسّية حركية ومنطقيّة ذهنيّة. إن هذه التجارب التي يمر بها ويتعلّم منها هي بوّابة التطوّر الذهنيّ.
يولد الأطفال مع مليارات من خلايا الدّماغ التي تكون على أتمّ الاستعداد للتعلّم، وفي كل مرة نسمح للطفل فيها اختبار شيء ما عبر اللّمس، الذّوق، النّظر، السّمع، الشّم واللّعب بالأشياء، نعطيه فرصة يتعلّم من خلالها.خلايا الدماغ هي شبكة من الوَصَلات العصبيّة؛ فكما ينمو الأطفال جسديًّا، ينمون ذهنيًّا، وكما أنّ استخدام عضلاتهم يجعلها أقوى، كذلك الأمر بالنسبة للدّماغ، فعقول الأطفال تصبح أقوى عندما نعطيهم الفرصة ليشاهدوا ويسمعوا ويلمسوا ويتذوّقوا ويشمّوا. بقدر ما يتوفّر للطفل تجارب حسّية حركيّة، بقدر ما تتشكّل هذه الوصلات بشكل أكثف وأقوى، وهذه التجارب هي التي تجعل الأطفال يفكّرون.
عندما يفكر الطّفل، يقوم باستخدام خلايا دماغه، والوصلات العصبيّة تصبح أقوى كلما استخدمها الطفل أكثر. كما وتصبح هذه الوصلات أكثر تعقيدًا عندما يتقدّم الطّفل في العمر. لتطوير خلايا الدماغ، يمكننا مساعدة الأطفال عبر توفير الرّعاية الصّحيّة الجيدة والتغذية السّليمة قبل الولادة وبعدها. في المقابل عندما لا يتم استخدام الوصلات العصبية، فإنّها تضعف تدريجيًّا إلى أن تختفي. على سبيل المثال، عندما يتعلم الطفل العزف على البيانو لبضع سنوات، ومن ثمّ يتوقف عن ذلك نهائيًّا، فإنّ الوصلات العصبيّة الّتي كانت تستخدم للعب البيانو تصبح ضعيفة مع الوقت. ولكنّها تعود بشكل سريع إذا ما عاد الطفل لممارسة العزف على البيانو مرة أخرى. وكلّما تزداد الممارسة للبيانو أكثر، كلما تصبح هذه الوصلات أقوى. وكذلك كلما مرّ وقت أطول من دون ممارسة العزف على البيانو، كلما صعُب إعادة بناء هذه الوصلات.
المرحلة الذهبية للتطور الذهني
بعض التطوّر الدّماغي يحصل بشكلٍ طبيعيّ؛ فتقريبًا كل الأطفال سوف يفعلون الأشياء نفسها في مراحل عمرية محدّدة. ولكن هناك تجارب مختلفة يتعرّض لها بعض الأطفال، يكون لها تأثير كبير على نموّهم بشكل مختلفٍ جدًّا. يمكن الاعتماد على الطّبيعة في بعض الأشياء، فنحن لا نحتاج إلى تعليم الأطفال كلّ المهارات الصغيرة؛ مثلًا معظم الأطفال يتعلّمون التّحدّث دون أن يعلّمهم أهلهم كيفيّة تحريك أفواههم، ومعظمهم يتعلّمون التّدحرج دون أن يفعل الأهل أيّ شيء. ولكنّهم لن يتعلّموا الكلام إذا لم يتحدّث أحد إليهم، كما ولن يتعلّموا التّدحرج إذا كانوا دائمًا في مقعد أو محتجزين. ستأتي إذًا بعض التفاعلات، التي يتبعها تغييرات، بشكل طبيعي. ولكن هذا لا يكفي، إذ يجب أن نوفّر للطّفل بيئة تسمح له باختبار الأمور ليتعلّم، وهذا ما نقصده بالتّربية الذّهنيّة.



