النسخة الرقمية

ثقافة المناصب تُوقع مسؤوليها بالمحظور … المســؤول خــادم للشعب أم الشعـب يخــدم المســؤول ؟!

بغداد/ رغد دحام

تختلط مفاهيم المسؤولية لدى الكثير من رعاتها، فهي تعني خدمة الشعب وليس العكس، وحسب قول الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: ( كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته). أي ان الراعي وهو المسؤول الاول عن تدبير أمور رعيته لا يعتلي برجا عاجيا ويغدهم بالطلبات والأوامر التي قد لا تنتهي ولا يكون لها مبرر.ويقول الباحث الاجتماعي رحيم قاسم انه «عندما يتقلد شخص منصبا معينا، فأهله ومعارفه وأحباؤه يتهافتون لتهنئته بهذه الثقة، ولاختياره دون سواه، ولتشريفه بهذه المنزلة، وهو يرد متصنعا التواضع .. هذا تكليف وليس تشريفا.اللغة الضائعة هنا يمكن قراءتها في سياق ثقافة المناصب في مجتمعنا. فمبدأ الثقة في التعيين للمناصب مقدم على مبدأ الكفاءة في الغالب. وعليه فاختيار شخص لمنصب معين لا يبعد أن يكون مبدأ الثقة مقدما على كل شيء، حتى الكفاءة المهنية والإدارية لا يعتد بها في الغالب، وإن حضرت فهي ربما توافق غير مقصود.
وتابع: «أما أن المنصب تكليف وليست تشريفا، فهو تكليف من حيث هو مسؤولية، لكنه في نظر من تقلده أنه حصل على شرف كبير قد لا يستحقه ، ففي اللغة المنصب يعني المقام، وشأن المقامات في عالمنا العربي شأن كبير، فبها ومن خلالها ينتفع المرء أيما انتفاع، ينتفع أهلوه وعشيرته والأقربون، ولكنها منافع في النهاية تعود له بطرق مختلفة.
وتابع: «المنصب في حقيقته ليس إلا مسؤولية تجاه الغير، تجاه البلاد والعباد، واستشعار هذه المسؤولية ضرب من المستحيل في الغالب، لأن المنصب منحة وليس انتخابا أو عن كفاءة تعكس مدى الحاجة لملء هذا المنصب. وعليه لن يكون صاحب المنصب فاعلا إلا عندما يخضع للمساءلة والمحاسبة والمراجعة. في عالمنا المنصب يحمل كل شيء إلا مسؤولية العمل. فصاحب المنصب يخيّل له أنه يعمل، لكن الآخرين لا يرون إنجازاته العظيمة، يخيل إليه أنه يعمل، لكن الحاقدين لا يدعونه يهنأ بمنصبه ولو لسنوات قليلة دون أن يناكفوه».ويُعرف الإعلامي محمد تقي الانحراف الوظيفي بأنه إساءة استخدام السلطة من قبل القادة المتصدين للسياسة, من أجل تحقيق الربح الخاص, وكذلك من أجل زيادة قوتهم ونفوذهم وثرواتهم, ولا يحتاج الفساد السياسي الى التعامل مع الأموال مباشرة, بل هو عملية استغلال للنفوذ (تجارة النفوذ), لمنح الافضليات التي سممت الحياة السياسية والديمقراطية في العراق.
وبين انه «يتم التدخل في الصفقات الحكومية من قبل المسؤول, عبر منحها لمن يدين لهم بالولاء, أو يكون بتزكية حزبية خاصة مقابل نسب تحت الطاولة, فيصبح المنصب عبارة عن مكتب تجاري, وكل شيء يجري شكليا حسب القانون والتعليمات, لكن بالحقيقة كل شيء تم تحريفه, لتكون الإعمال الحكومية باباً للاسترزاق لسعادة الوزير أو النائب أو المدير العام, مما يعني ضياع مشاريع الدولة ومؤسساتها في بطون شبكة الفساد السياسية».
وينتج عن اختلاف تلك المفاهيم فقدان الثقة وهي من أهم نتائج الانحراف عن الوظيفة فقدان الجماهير الثقة بالأحزاب وبالطبقة السياسية, فالجماهير عاشت تجربة مريرة, لا هم للبعض إلا سرقة المال العام وتضييع حق الأمة, والآن هناك اتجاه جماهيري كبير لإقصاء طبقة الفاسدين عبر الحق الانتخابي, وهذا ما يخيف الساسة ويسعون لجعل نظام الانتخابات في صالحهم.
لكن الغريب أن نجد من يطبّل للساسة ويدعمهم ويروّج لهم, , أما الساسة فيعتبرون أنفسهم عباقرة خارقين, وحل الأزمات لا يمر إلا من خلالهم, وإنهم أصحاب فضل على العراقيين, وان إدارتهم للدولة حكيمة, وهذا الأمر يذكرني بنص قرأته للكاتب الغربي تيودور فانتي يقول فيه (وكم من ديك يعتقد أن الشمس تشرق بصياحه, وكم من أحمق يعتقد أن الحياة لن تستمر بدونه).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى