النسخة الرقميةثقافية

وجاءت الرياح بما لا تشتهي السفن

د. محمد ضباشه ـ مصر

في حي الإمام الشافعي بالقاهرة، يقطن «متولي» في منزله المكون من ثلاثة طوابق، بشارع جانبي يطلُّ على المسجد من الخلف. أنعم الله عليه بالرزق الوفير من مخبز يمتلكه. هو رجل في العقد الرابع من عمره، قوي البنية أسمر اللون، تزوّج من إحسان إبنة خالته وهو في سن العشرين، وأنجب منها ثلاث بنات، كبراهن في الثانوية العامة، وأصغرهم طفلة حديثة الولادة جاءت على غير رغبة والدتها التي نصحها الأطباء بعدم الإنجاب حفاظا على حياتها، وتحت إلحاح من زوجها رغبة منه في تحقيق حلمه وإنجاب ولد يحمل إسمه ويكون سنداً لأخواته البنات ويعاونه في عمله.
وذات مساء والغضب يرسم ملامح الحزن على وجهه، نزل درج السلم ببطء متوجّهاً الى مقهى صغير اعتاد ان يجلس فيه مع أصدقائه، جلس على طاولة وطلب فنجان قهوته وشيشة، فأحضرهما الجرسون له، وبعد دقائق حضر «مفتاح» صديقه، وجلس على كرسي مقابل له فطلب ما طلب، ونظر في وجه صديقه فوجده على غير عادته، فسأله، فحكى له ان زوجته ولدت بنتا أخرى وأصبح حلمه في إنجاب الولد مستحيلا لأنه يحب زوجته ولا يريد ان يغضب خالته، التي ربّته بعد أن توفيت والدته. فأشار عليه صديقه بالزواج من أخرى وأن أمامه من يتزوجها وينجب منها الولد، وطال الحديث بينهما ساعات حتى انصرف كل منهما الى منزله.ظل عدة شهور في صراع مع نفسه وأسئلة كثيرة لا يجد لها إجابة شافية تحقق له ما يريد، إلا انه بالنهاية وجد انه لا بدَّ من الزواج بأخرى وأن لديه ما يكفى من مبررات لزواجه.
إستشعرت زوجته بأن زوجها على غير طبيعته منذ أن ولدت بنتها الصغرى، وأن هناك شيئا ما يخفيه عنها زوجها. ومرت الأيام تترنح بين الموافقة والرفض وبين ما تخفيه الأيام عن زوجته، وجاءت الرياح بما لا تشتهى السفن، وعلمت زوجته بزواجه من «سعاد» بنت الحاج «مصطفى القللي» الذي طلقها زوجها بعد زواج أيام، فشعرت انها مقيدة لا تستطيع أن تفعل شيئا سوى البكاء وإحتضان بناتها.«سعاد» في شهرها الثالث من الحمل، ذهبت الى الطبيب فأخبرها أنها ستنجب ولدا، عادت مسرعة الخطى ويكاد قلبها يتوقف من الفرح، فأخبرت زوجها الذي سُرُّ بما سمع وخرج على التو إشترى عجلا وذبحه ووزع لحمه على الفقراء فرحا بالمولود القادم. ومرت الأيام والشهور كسنوات على «متولي» كل يوم يدعو فيه ان تمر الايام بسرعة، حتى جاء اليوم الموعود ووضعت زوجته في مستشفى خاص قريبة من منزله. أخرجت الممرضة المولود ملفوفاً في بشكير أبيض وأعطته له، وما زالت أمه في غرفة العمليات. كشف عن وجهه فضاعت منه الإبتسامي، وإنهمرت الدموع من عينيه، وجلس على الأرض الى أن خرجت زوجته الى غرفة قريبة.
وضع البنت بجوارها وعاد الى منزله، صعد درج السلم بصعوبة الى أن وصل لزوجته الأولى، جلس بجوارها وكان اللقاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى