التشريع البرلماني يخضع لمراكز البحوث والدراسات أم لهيمنة الأحزاب والقوى السياسية ؟

المراقب العراقي – سعاد الراشد
شهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ولادة ما عرف بمراكز البحوث والدراسات، فبعد أن كانت منهمكة بشكل كبير في إنتاج الدراسات الاكاديمية الصرفة والبحوث التجريبية التي لا يتعدى دورها النخبة الجامعة، صار لها نموذج عرف بـ(خزانات التفكير)، ولم يعدْ فريق العمل الذي ينتج الدراسات من الأكاديميين وأساتذة الجامعات، بل صار كادرها جمعاً من شخصيات نيابية ناجحة أو قيادات حكومية تنفيذية اكتسبت خبرة طويلة من العمل مضافا إلى خلفيتها العلمية النظرية، وصار منتجها يعرف بـ (أوراق السياسات العامة).
تشكّل هذه المراكز إحدى الحلقات المؤثرة في صناعة القرار في أكثر من بلد يقوم عمله على أساس المؤسسات، إذ تقدّم تلك المؤسسات مشورتها بطريقة مقنعة ومؤثرة وجذابة لصانع القرار.
العمل البرلماني (التشريعي والرقابي) يحتاج إلى أوراق خلفية تبيّن وتحلّل الكثير من القضايا المراد تشريعها أو محاسبتها، أو تقدم مقترحات وحلولاً مهمة في القطاعات كافة، وتضع بين يدي البرلماني خبرة ناضجة جربت العمل وخبرت الحلول، كما أن تلك المؤسسات تساهم في تطوير شخصية النائب وإمكاناته.
يبقى المهم في الأمر هو الآلية التي تخلق عبر مراكز دراسات ناضجة تقدم منتجا نوعياً، والتأسيس لثقافة الاستماع وقبول الرأي المختص.
«المراقب العراقي» سلطت الضوء على اهمية المراكز البحثية في تطوير العمل السياسي البرلماني ورفد مؤسسات الدولة بأشخاص كفوءة ومهنية سواء كانت سياسية أم أدارية أم اقتصادية وعلى كل المجالات .
إذ تحدث بهذا الشأن النائب وليد السهلاني قائلاً: المراكز البحثية تعدُّ حالة تخصصية مهنية فنية وبالتالي مهمَة جدا في سن القوانين إذ لا يمكن ان يسنَّ قانون إلا بعد الاستشارة بالمراكز البحثية لأن هذه الخبرة والنضج في طرح المفاهيم والأفكار الفنية سوف تأخذ طابعاً قانونياً والقانون يجب ان يأخذ طابع قانونيا في عملية التقييد ووضع الضوابط والمعايير في تحديد تخصص معين و ان هذا التخصص يأتي من خلال الخبراء في المراكز البحثية.
وأضاف السهلاني، ان هذا الموضوع يجب ان يكون من أولى أولويات مجلس النواب العراقي لافتا في حديثه ان في مجلس النواب وخاصة اللجان لا يتمُّ سن قانون أو تشريعه إلا بعد ان تُستقرَأ الآراء والأفكار والمقترحات من المراكز البحثية لأهميتها في بلورة قوانين ناضجة وفاعلة ولها تماس مباشر بحياة الوطن والمواطن .
في سياق متصل، أكد الباحث في الشأن السياسي نجم اليعقوب، انه في دول العالم المتقدم توجد هناك معاهد ومراكز للأبحاث والدراسات الإستراتيجية تهتمُّ بشؤون الدولة من جميع النواحي السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية تكون ساندة لمؤسسات الدولة لرسم سياستها وتحسين أداء العمل فيها للوصول الى أفضل أداء بحيث يدفع بعجلة التقدم ومواكبة التطور . وفي بعض البلدان تولي أهمية كبيرة لهذه المراكز أو المعاهد كونها تضمُّ فريقاً متقدماً ويمتلك خبرات هائلة يمكن الاستفادة من الآراء والمقترحات التي تقدّم إلى مؤسسات الدولة في غاية من الأهمية والفائدة . وخصوصا عندما لا تكون مؤسسات الدولة تمتلك من الشخصيات السياسية والإدارية بمستوى عالٍ من الكفاءة والمهنية ما يصل الى مستوى وكفاءة شخوص مراكز الأبحاث والدراسات.
وأضاف اليعقوب: مؤسسات الدولة التي تحتوي على كفاءات متكاملة في نظامها السياسي أو الاقتصادي أو الإجتماعي . نرى إن هذه الدول قدِ اندفعت عجلة التطور فيها بشتى المجالات الى مراكز مهمة بين الدول المتقدمة .
وأوضح اليعقوب، أما في العراق فلا نلاحظ اهتماما بهذه المراكز أو المعاهد وقد يكون هذا الاهتمام لا يذكر أصلا وقد يكون سبب ذلك هو هيمنة الأحزاب والقوى السياسية على مراكز القرار والسلطة في البلد وفي هذه الحالة ستكون هذه القوى السياسية وأحزابها هي من توجّه بوصلة العمل السياسي وإدارة الدولة بما يضمن مصالح أحزابها مبتعدة عن المصلحة الأساسية والرئيسة وهي إدارة الدولة بالشكل الصحيح.وقال اليعقوب: من الواجب في المرحلة الحالية التي يمر بها العراق اليوم من تدهور كبير وانحدار في مستوى إدارة شؤون الدولة وعلى كل المجالات نتيجة الاختيار الخاطئ للأشخاص الذين يديرون مؤسسات الدولة والتي فرضتها القوى السياسية في هذه المناصب لهذا يجب أن يكون هناك تعديل لمسار وأداء عملها وأن تستعين بخبرات من هذه المراكز للأبحاث وتستخلص من أرائها ومقترحاتها ما يعزز تحسين الأداء المستقبلي إذا كانت فعلا حريصة على بناء الدولة وتطورها، كاشفا عن إن هناك الكثير من هذه المراكز البحثية تعطي أراءاً كبيرة ومهمة ولكن نرى أنها لا تجد اهتماما بما تقدمة من دراسات ، وهي بالمقابل آراء مجانية الغاية منها تحسين الاداء. ويعتقد اليعقوب، ان عدم الاهتمام هذا ينعكس سلبا على هذه المراكز البحثية لأنها لا تحاول أن تكون عامل تحفيز وتشجيع لها على أقل تقدير في تطوير هذه المراكز لنفسها بحيث تنمّي المقدرة البحثية والتقصي لإيجاد حلول لبعض الأزمات التي تضرب البلاد قبل حدوثها ورفد مؤسسات الدولة بأشخاص كفوءة ومهنية سواء كانت سياسية أم إدارية أم اقتصادية وعلى كل المجالات.



