“أكتب كي لا أتوحش” سرد من قلب التجربة الإنسانية القاسية في غزة

يقدم الكاتب الفلسطيني محمد الزقزوق في كتابه الجديد بعنوان «أكتب كي لا أتوحش» عملا سرديا يخرج من قلب التجربة الإنسانية القاسية في غزة، حيث تتحول الكتابة من فعل إبداعي إلى ضرورة وجودية لمواجهة العنف والانهيار.
منذ صفحاته الأولى، يضع الكتاب قارئه أمام تجربة صادمة لا تتيح مسافة آمنة أو قراءة محايدة، إذ يُكتب النص من داخل الحدث لا من خارجه، ومن عمق المعاناة لا من هامشها. فالكتابة هنا ليست ترفاً، بل فعل مقاومة يومي ضد التحول إلى كائن فاقد للإحساس، ومحاولة دؤوبة للحفاظ على ما تبقى من إنسانية في سياق يهدد بابتلاعها.
ويعتمد الزقزوق في عمله بنية سردية قائمة على الشهادة المباشرة، عبر مقاطع متتابعة ترصد تحولات التجربة منذ اندلاع الحرب، مروراً بلحظات الصدمة الأولى، ثم النزوح، وصولاً إلى إعادة تنظيم الحياة داخل فضاءات ضيقة ومهددة، في ظل فقدان مستمر للأصدقاء والأقارب وتآكل تدريجي للإحساس.
ولا يركن الكتاب إلى حبكة تخييلية تقليدية، بل يتشكّل من تراكم يومي وتجريبي، حيث تتحول تفاصيل الحياة البسيطة -كالماء والخبز والكهرباء- إلى عناصر مركزية في بناء سردي يعكس ديناميات العيش تحت القصف والخوف. وفي هذا السياق، ينجح الكاتب في تحويل هذه التفاصيل إلى مادة أدبية كثيفة، تمزج بين التوثيق والتأمل الداخلي.
ويتميّز النص بقدرته على نقل الألم كما هو، دون تجميل أو تفسير أو تبرير، ما يمنحه قوة تعبيرية لافتة. فالحرب، كما يقدمها الكتاب، ليست حدثاً عابراً، بل حالة مستمرة من التآكل الداخلي، تهدد الإنسان في جوهره، لا في محيطه فقط.
وفي أحد المقاطع، يكتب الزقزوق: «أكتب كي لا أتوحش كي لا تستهلكني آلة الحرب»، في تعبير مكثف عن جوهر العمل الذي يسعى إلى تثبيت الذات في مواجهة الانهيار، والتمسك بالوعي كخط دفاع أخير.



