النسخة الرقمية

بابا الحنون وماما المتوحشة

سهى الطائي

حين يكون البيت هو الملاذ الأمن للجميع وهو السقف الذي يجمع العائلة ليسود بها من له السطوة ويختبئ الآخر تحت ظل الضغوط والأشغال؛ وحين نرى أن المنزل كالسفينة الثابتة التي يحافظ على ثباتها ربان لتظل عائمة أو راسية على ضفاف المودة تظل تقاوم رياح الأعاصير وأمطار الحياة اليومية وربما تبتل دوما بوابل من المشاكل التي لا طعم للحياة دونها فمنها يتعلم الصغير اخطاءه والكبير زلته فيعتذر من يعتذر ويصرُّ على العناد من يستبد بعيدا عن الاعتدال ..
حين ننظر من زاوية قريبة نجد أن لا بد من وجود ربان حكيم يقود السفينة ويفرض هيمنته الحكيمة بكل قبول وان لا تضيع الدفة بين رُبانين لا يعرف أحدهما كيف يجذب حبل الإخاء لصالحه ..
فيضيع الأبناء بين شد وحل وبين سطوة مخيفة وأخرى هينة ليجد له ملاذا يحمية من ذنب اُرتكب وهذا ما نراه في أكثر البيوت العربية .
فللاب هيبة لاينازعه عليها أحد فهو الإناء الذي يتسع للكل ورغم تحولاته المزاجية نجده يترنح للاتزان الجميل؛ الا إذا غضب انقلبت كل الموازين واصبح الخوف يسبق الاحترام فما أكثر الآباء من هذا النوع الذي لا يعرف للهدوء سبيلاً وصوته كأنه العاصفة التي تجعل الكثير منا يلجأ لاحتضان الأم وتظل هي ذاك الصدر الذي يتسع للجميع والذي يحاول أن يحتضن الكل وان أخطأ لذا نجد أكثر الأبناء حين يمرون بمعترك الحياة أو يتعرضون لشتى العثرات والصرخات يلجأون لها دون منازع وربما تكون أدوارها مختلفة بعض الشيء بين منزل واخر ؛
وقد يكون غياب الأب الطويل وعدم وجوده مع الأبناء احد الاسباب التي تجعلها حاسمة في قراراتها فنراها تدير شؤون المنزل متخذة دور الاثنين معا حنان الأم وحسم الأب ليمضي اليوم كما يشتهي الاثنان ..
وبالرغم من الضغوط التي تتعرض له الأم بهذه المواقف الا انها تظل تحاول جاهدة أن تؤدي دورها بكل إتقان حتى تهدي في آخر المطاف نجاحها للإدارة حين يعود الأب للبيت ويشاهد أن الوضع مستتب وان كل شيء على ما يرام ..
بعض الآباء يقدرون كثيرا جهود النساء وهي تغامر كل لحظة بكل قوتها وراحتها لتجعل من هذا السكن آمنا مطمئنا لا يقلقه رعد ولا يزعزه برق ثابت مهما تتالت عليه الزخات وعمت اجواءه السحب السوداء ليظل ثابتا وان تعرض لدرجة زلزال عظيمة ..
ورغم مطالبتهم الكثيرة بالمواقف الحازمة التي يرسخها كل يوم في أذهان الزوجة وقد يوجهها بالتصرف الصحيح دون دراية ؛ وبأزدواجية عجيبة نرى أن الكثير منهم يحاولون أن لا يصطدموا مع احد ولا تكون لهم مواقف صارمة أمام الأبناء حين يتطلب الأمر هذا بل إنهم يلوحون أن الأمر ممكن لو وافقت الأم وان الأمر هين وكل شيء مجاب ما دام هو الأب الحنون وهي التي تشير لها البنان بالشدة ليبقيها الأب دوما بوجه المدفع كي تتراشق عليها نظرات الحقد من الأبناء وتتوالى عليها نقطة النظام بالاعتراض على ما تأمر أو تنهى لمصلحة عامة قد لا يدركها الابناء ويحاول الأب عدم الخوض في تفاصيلها لأنه فقط فيه ما يكفيه من الهموم وقد يعدّ البعض أن هذه الامور تافهة قياسا بامور الحياة الأخرى التي يواجهونها ..
هنا تظل الأم المسكينة في الزاوية المكروهة التي ينصرف عنها الجميع ليرتمي بأحضان بابا الحنون وهروبا من تلك التي يعدّونها غول البيت وماما المتوحشة التي ترفض كل رغباتهم وبعض الاحيان قد تلجأ الأم الضعيفة لغير حيلة متقصدة ؛في أن توكل الأمر كله بيد الأب وان لا مناص من قولها دون مباركته والتي قد تخفف عن كتفيها حمل تعبهم ولتتهرب بعض الشيء من ثقل المسؤولية وحتى تتجنب الأحاديث الجانبية لاعتراضهم المستمر ولأن دائما أو غالبا كلمة الأب لا تناقش ولا ترفض وتظل سيفاً على الرأس الا لذاك الذي يرفض الخضوع ولا يقبل الخنوع فيتمرد على الربان ويصيح بأعلى الصوت لن أعيش في جلباب ابي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى