النسخة الرقمية

منبر الهداية … الشهادة تجـارةٌ رابحة

الشهادة مفهومٌ عجيب، ومقولةٌ عجيبةٌ وعميقة. الشهادة تعني التجارة مع الله تعالى، تجارةٌ ذات طرفين لا قلق ولا خوف فيها. البضاعة هي النفس، وهي رأس المال الأساس لكلّ إنسان، وفي مقابل السعادة الأبديّة والحياة الخالدة في أفضل النعم الإلهيّة. هذه البضاعة التي تقدّمونها أنتم بالشهادة، ليست بضاعةً أبديّة، إنّها من قبيل ذلك الثلج الذي يُعرض للبيع في الصيف، فإن لم تشتروه فإنّ أساس المادّة والبضاعة سيتلاشى ويذهب. هذا الذي يشتري منك هذه البضاعة الفانية والزائلة هو مشترٍ عظيم جدّاً..وهذه الحياة التي نملكها أنا وأنتم هي الثلج بعينه، إنّها تزول وتتلاشى ذرّة ذرّة؛ أي إنّنا نقترب من القبر أكثر فأكثر. في النهاية، سينقضي هذا الأجل، وقد وُجد لهذه البضاعة التي ستفنى، سواء بعتها أم لم تبعها، مشترٍ يقول لك أنا أشتريها منك، وبأغلى وأعلى ثمن، ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (التوبة: 111). ولا يعني هذا أن تسلّموا أنفسكم للعدوّ حين تجاهدون في سبيل الله وتقولوا له: اقتلنا، بل عليكم أيضاً أن توجّهوا له ضربة. هذا الحارس الذي استُشهد على حدود البلد، قد وجّه قبل ذلك ضربات كثيرة للعدوّ، وقد عمل على منع نفوذ العدوّ، ووقف في وجه مؤامراته، وفي وجه فساده. وهذا الشابّ الذي وقف مقابل داعش واستُشهد دفاعاً عن المراقد، قد وجّه قبل أن يستشهد مئات الضربات إليهم، وأفشل أهدافهم ومخطّطاتهم، وفرّقهم؛ فيَقتلون، ويُقتَلون. هذا الوعد ليس مختصّاً بدينكم؛ بل جاء في الكتب السماويّة السابقة أيضاً: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾. هذه هي الشهادة. ثمّ يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ﴾. وعليه، فالشهادة مفهوم من هذا القبيل. حينما تنظرون إليها في الظاهر تجدونها مؤلمة، مُرّة، تفجع أفراد العائلة، وتجرّعهم الغصص. هذا هو ظاهرها؛ أمّا باطنها فهو الموت التجاريّ؛ أي الموت الذي يوجد فيه ذكاء.. أنتم عوائل الشهداء، حتماً تعانون، تفقدون أبناءكم، إخوانكم، آباءكم، أزواجكم، أنتم تحبّونهم، فمن الطبيعي أن تُفجعوا بهم -لا شكّ في ذلك- لكن عندما تنظرون إلى المسألة من هذا المنظار، سترون أنّكم أيضاً رابحون. لماذا؟ لأنّه حين يعرج الشهيد ويرتقي إلى الدرجات العلا، سيصبح بإمكانه الشفاعة، وسيتمكّن من لعب دور في البرزخ والقيامة، وحين ترحلون عن هذا العالم، ستكون بانتظاركم شدائد كثيرة؛ فإن استطاع المرء أن يجد له شفيعاً هناك ينفعه، فلهو أمر غاية في الأهمّيّة. وهؤلاء الشهداء هم شفعاؤكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى