كيف نتعرّف على الأنبياء الحقيقيين ؟
ما الدليل الذي يجب أن نعتمده كي نصدِّق إنسانًا يدّعي أنّ الله تعالى تواصل معه بطريق خاص لا تناله حواسّنا وعقولنا؟من الطبيعيّ أن يصدِّق الإنسان مِن هؤلاء الذي عرفه شخصيًّا بالصدق والاستقامة والكمالات، كما ذكر عن تصديق الإمام علي (عليه السلام)، والسيدة خديجة، لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أوائل دعوته، إلا أنّ هذا طريق خاص، غير متوفِّر لأغلب الناس، فضلاً عن كونه حصل في التاريخ، ولا وجود له في واقعنا الحاضر..إذاً إنّنا نحتاج إلى دليل، يمكن الاعتماد عليه في هذا العصر، لتصديق من ادّعى النبوّة. وهذا ما يتحقّق من خلال ما يُصطلح عليه بالمعجزة..المراد من المعجزة – التي هي وسيلة لإثبات النبوّة- ما تتحقّق فيها العناصر الآتية:
• أن تكون أمرا خارقا للعادة..يعني أن تكون خارجةً عن الأسباب العاديّة والطبيعيّة المعروفة، بحيث تكون مما لا يعهده الإنسان، ولا تناله التجربة..وهنا لا بدّ من تأكيد أنَّ كونها خارقة للعادة، هو خرقها للأسباب العادية، وليس للأسباب والقوانين العقلية؛ لأنّ خرق القانون العقلي مستحيل بذاته، فمن القوانين العقليّة أنّه يستحيل أن يجتمع النقيضان، فلا يمكن أن يجتمع وجود زيد وعدم وجوده من الجهة نفسها، وفي المكان والزمان نفسهما، لذا فإنّ هذا الأمر لا تناله المعجزة؛ لأنّه مستحيل بذاته، كما هو الحال في أنّ 1+1=2، فلا يمكن لأيّ شيء أن يجعلها أكثر من ذلك أو أقلّ. إضافةً إلى أنّ المعجزة تهدف إلى تصديق الآخرين بالنبيّ، لإيصال الإنسان إلى كماله، وبالتالي لا بدّ من المحافظة على قوانين عقله التي هي أساس ذلك التصديق، كما أنّها عمدة السير في طريق الكمال..ومن باب التوضيح نقول إنّ الإنسان حينما يريد أن يصعد إلى الطابق العاشر من المبنى، فإنّ وسيلة ذلك أن يعتمد المصعد أو الدرج، أو الحبل أو الطائرة. لكن هل يمكن للإنسان أن يقفز من الأسفل إلى الأعلى، من دون الاعتماد على أيّة وسيلة ليصل إلى الطابق العاشر؟! نعم، إنّ ذلك ممكن عقلاً، إلا أنّه خارق للأسباب العاديّة التي يعهدها الإنسان.
• أن يعجز الناس عن الإتيان بمثلها..بهذا العنصر تفترق المعجزة عن أعمال السحرة، والمرتاضين، وأصحاب الإبداع العلمي، فهؤلاء قد يقومون بأمور يعدّها الناس خارقة للعادة، إلا انّها تكون قائمة على أسباب معروفة عند أهل الفنّ والعلم، وينحصر جهلها عند غير أهل الاختصاص، وبالتالي يكون الأمر غير إعجازيّ؛ لإمكان الإتيان بمثله ممّن تعلّم قواعد الفن أو العلم، وتعرّف على خفاياه.
• أن تكون مطابقةً للدعوى..والمقصود أن تكون نتيجة الفعل موافقة لما قصده الفاعل، أو طُلِبَ منه، ليكون دليلاً على صدق دعوته، فلو صدر منه أمر خارق للعادة، لكنّه مخالف لما قصده أو طُلِبَ منه، لكان دليلاً على كذبه، بدل صدقه، وهذا ما نُقل حدوثه مع مسيلمة الكذّاب عندما طلبوا منه أن يتفل في بئر لتفيض ويكثر ماؤها، إلا أنّ ما حصل هو أنّه غار الماء متراجعا إلى عمق الأرض، فدلّ ذلك على كذبه.
• أن يكون مصحوبا بدعوى النبوّة:حتى يدلّ الأمر الخارق للعادة على نبوّة الفاعل، لا بدّ أن يكون مصحوبا بدعواه النبوّة؛ لأنّه قد تحصل أمور خارقة للعادة من قبل بعض الأئمة أو الأولياء، من دون دعواهم للنبوّة، وهذه الأمور قد تسمى – في الاصطلاح- كرامات لا معجزات.
فالنتيجة..حينما تتحقّق هذه العناصر الأربعة في فعل مَنْ يخبر عن اتصاله بالله تعالى، عبر الوحي، الذي لا نستطيع أن ندركه بشكل مباشر، فإنّ فعل المعجزة يكون دليلاً على صدقه في دعواه، وبالتالي نُصدِّق أنّه نبيّ، وأنّه مكلّف من الله تعالى أن يخبرنا عن الطريق التي توصلنا إلى كمالنا.



