تركيا تدخل على خط الأزمة في كاركاس الأمم المتحدة : عقوبات أمريكا الإقتصادية ضد فنزويلا تشبه حصار المدن في العصور الوسطى

كانت تركيا من أوائل الدول الداعمة للرئيس الفنزويلي الشرعي، نيكولاس مادورو، بعد إعلان خوان غوايدو، نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد، مما أثار الكثير من الشكوك بشأن سبب وقوف أنقرة في صف مادورو ومخالفة موقف الكثير من دول العالم.وإلى جانب أميركا ودول الاتحاد الأوروبي، اعترف عدد كبير من بلدان العالم بغوايدو، رئيسا للبلاد، مثل الأرجنتين وكولومبيا وكندا والإكوادور وباراغوي والبرازيل وتشيلي وبنما وكوستاريكا وغواتيمالا.إلا أن تركيا اختارت كعادتها السباحة ضد التيار وسلك الطريق المخالف، من خلال التعبير عن مساندتها للرئيس نيكولاس مادورو، قائلة «مادورو، انهض، نحن بجانبك».وبعدها، ذكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «كبلد يؤمن بالديمقراطية، وكرئيس يؤمن بالديمقراطية، أينما تحدث محاولة انقلاب في أي مكان بالعالم، فنحن نقف ضدها دون تمييز»، مضيفا «ينبغي على الجميع احترام نتيجة صناديق الاقتراع».وهذه المساندة تخفي وراءها الكثير من الكواليس في العلاقة بين أردوغان ومادورو، اللذين يجتمعان في العديد من القواسم المشتركة.ووفق ما ذكرت صحيفة «هآرتس»، فإن العلاقات السياسية والاقتصادية بين أنقرة وكراكاس ازدادت قوة خلال المدة الماضية، مضيفة أن أردوغان اختار الوقوف إلى جنب مادورو ومساندته بعد فرض الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على فنزويلا.وانتقد أردوغان، آنذاك، العقوبات المفروضة على فنزويلا، متعهدا بالاستثمار في الاقتصاد الفنزويلي لإعادته إلى الطريق الصحيحة.وضخت الشركات التركية، حينئذ، نحو 4.5 مليارات يورو في خزينة فنزويلا، كما واصلت الخطوط الجوية التركية تنفيذ رحلات أسبوعية إلى العاصمة كاراكاس، بالرغم من أن جل شركات الطيران الغربية أوقفت رحلاتها إلى الدولة الواقعة على الساحل الشمالي لأميركا الجنوبية.وقالت «هآرتس» الصهيونية إن فور صدور إعلان غوايدو، الأسبوع الماضي، تعقب مراقبو الطيران، طائرة تابعة للملياردير التركي، تورغاي سينر، مالك «مجموعة سينر»، وهي تقلع من تركيا إلى روسيا ثم بعدها إلى فنزويلا، مضيفة أن «أهداف الرحلة كانت اقتصادية ومالية بامتياز».وتابعت «تم شحن طن من الذهب الفنزويلي في طرود يشرف عليها الجيش إلى تركيا، من أجل صقلها وتجهيزها».ووفقا لوكالة «بلومبرغ»، فقد كشف مسؤولون أميركيون أن بعضا من كمية الذهب قد يشق طريقه إلى إيران، في انتهاك للعقوبات المفروضة على طهران.وكانت تركيا قد تورطت في السابق في خطط لتجنب العقوبات الأميركية على إيران من خلال المتاجرة بالذهب.من جهة أخرى، ظهر مادورو وزوجته، العام الماضي، على شريط فيديو يتناولان شريحة لحم أعدها الطباخ التركي الشهير سولت باي، الأمر الذي أثار غضبا في فنزويلا، التي تعاني من سوء التغذية، وعزز نظرية العلاقة التركية الفنزويلي «القوية».والخميس الماضي، كشفت تقارير إعلامية أن حكومة الرئيس التركي أردوغان، جندت جيشا إلكترونيا للترويج لوسم «كلنا مادورو».وتفضي هذه المعطيات إلى نتيجة واحدة، مفادها أن أردوغان لا يساند مادورو لسواد عينيه، وأن الدعم كان دائما «مشروطا» بعوامل اقتصادية ومالية.ومن جانب آخر فضح المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة، ألفريد دي زاياس، الطريقة التي تملي بها أمريكا إرادتها وشروطها على المنظمات الدولية، وقال إن عقوباتها تسببت بكارثة اقتصادية في فنزويلا.وكان دي زاياس أول ممثل للأمم المتحدة يزور فنزويلا خلال الـ 21 سنة الماضية، ووصل إلى هذا البلد الواقع في أمريكا اللاتينية نهاية عام 2017، حتى قبل أن تبدأ الأزمة الحالية. وخلال وجوده هناك، تحدث ليس فقط مع ممثلي الحكومة الفنزويلية، ولكن أيضا مع المنظمات غير الحكومية العاملة في البلاد، ومع المعارضة والعلماء والنشطاء وممثلي الكنيسة والأعمال التجارية ومكاتب الأمم المتحدة المحلية.وقال الفريد دي زاياس «إن العقوبات الأمريكية قاتلة»، مشيرا إلى أن أفقر شرائح السكان يعانون أكثر من غيرهم، ويموتون بدون طعام أو دواء.وبعد رحلته إلى فنزويلا، قدم تقريره المفصّل إلى الأمم المتحدة، حيث اقترح أن تقوم المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق فيما إذا كانت هذه العقوبات تشكل جريمة ضد الإنسانية. وفي رأيه، فإن العقوبات الأمريكية غير قانونية وغير شرعية بسبب فرضها دون موافقة وإرادة الأمم المتحدة. وشدد المسؤول السابق بالأمم المتحدة على أن «العقوبات الاقتصادية الحديثة والحصار الذي تمثله، يشبه حصار المدن في العصور الوسطى».ومع ذلك ، وكما لاحظ دي زاياس ، لم تستمع الأمم المتحدة لتقريره، ورفض المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الاجتماع معه على الإطلاق. ويعتقد المقرر السابق أن السبب في ذلك هو أن النتائج الموضوعية التي توصل إليها، تتعارض مع الموقف الأمريكي الحالي الساعي لتغيير النظام في فنزويلا، لذلك فإن الأمم المتحدة مهتمة فقط بتلك التقارير التي تنتقد النظام وتدعو إلى الإطاحة به.بالإضافة إلى ذلك، قال دي زاياس إن الدور الرئيسي في هذه العملية تلعبه الولايات المتحدة، التي تحاول الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو بمساعدة العقوبات. ووفقا له، فإن الولايات المتحدة «تلوي أذرع الدول» في الأمم المتحدة، وتجبرها على التصويت وفقا لمصالحها وسياساتها، وذلك عن طريق تهديدها بعواقب اقتصادية.ويوضح هذا المسؤول الدولي السابق، أن الولايات المتحدة استثمرت في الحقيقة مبالغ طائلة في فنزويلا، ولكنها فقدت سيطرتها على الصناعة الفنزويلية بعد التأميم، والآن تحاول استعادة كل شيء.وقال:»أشعر أنه لو لم تكن لدى فنزويلا موارد طبيعية هامة، لما كان أحد قد اهتم بشافيز ومادورو ولا بأي شخص آخر» في هذا البلد.في الختام ، دعا مقرر الأمم المتحدة السابق المجتمع الدولي إلى الدخول في حوار مع فنزويلا من أجل تحسين الوضع، بدلاً من ممارسة الضغط عليها من خلال العقوبات ومحاولة الانقلاب على السلطة الشرعية فيها، كما انتقد الولايات المتحدة وبريطانيا لتدخلهما في الشؤون الداخلية لدولة أخرى.وخلص المسؤول الأممي السابق قائلا لصحيفة الإندبندنت البريطانية «يحق للفنزويليين فقط أن يقرروا، وليس الولايات المتحدة ولا المملكة المتحدة، … لا نريد تكرارا لانقلاب (الدكتاتور التشيلي، أوغستينو) بينوشيه عام 1973 … ثم يمكن حل المشاكل عن طريق العدالة والعقل».



