الروائي شوقي كريم حسن و روايته «قنزة ونزة» في جمعية الثقافة للجميع

المراقب العراقي/ امل الطائي
جال بنا بعيدا الى حيث معاناة الناس وهمومهم، هناك يربض على قارعة الطريق الطفل اليتيم الذي سقط الوشم عن وجه امه ليعكس معاناة وتهميش الشروكية حيث كتب بتأمل مجموعة رواياته المتوالية والتي اثارت آراء النقاد، كـ» هباشون» و»خوشية»، نبعت رواياته من استلهام الواقع العراقي المرير عبر حقبات زمنية امتدت لأكثر من خمسين عاماً لتسرد عبر أبطالها كالطنطل والسعلوة وعبد الشط مأساة العراق ومجتمعه الذي عانى ما عاناه على ايدي من تولى حكمه، وان كانت تلك الحقبات لا تخلو من بحبوحة قليلة لسنوات لا تكاد تعدّ على اصابع اليد، واخيرا رائعته رواية « قنزة ونزة» حيث احتفت جمعية الثقافة للجميع بتوقيعها، اقيمت امسية الاحتفاء في اروقة مقهى نازك الملائكة وسط حضور جماهيري نخبوي محب للفن وللرواية، أدار الجلسة الشاعر المتالق جاسم العلي.
تناولت الرواية موضوع غاية في الاهمية والخطورة والخوض بشكل جريء ظاهرة التمسك بالماضي والذي يعكس هروبنا لعدم نجاحنا في صنع حاضر يليق بوطن ومجتمع امتدت حضارته لأكثر من ٧ آلاف سنة. ويرى الاستاذ الناقد «صالح الطائي» ان الروائي شوقي كريم حسن صاحب التجربة الأدبية الثرة، أبدع في هذا المجال، وتمكن وبجدارة من توظيف الموروث لدعم المعاصرة والتجديد، وله مؤلفات كثيرة تشهد له بذلك، جاءت عناوينها لتعلن للملأ تفاهة ما يتمسكون به؛ وهو يرى: أنَ فشلَنا يجعلُنا نتمسكُ بأزمنةٍ كاذبةٍ، ونمجدُ أزمنةً نعرفُ جيداً إنها مجردُ عذاباتٍ لأناسٍ عاشُوها بتفاصيلِها، التأريخُ محضُ أكاذيبٍ، يصنعُها العقلُ الذي يبحثُ عن حبلِ إنجادِ، وهو يرى أيامَهُ تحاولُ إغراقِهِ في لججٍ مجنونةٍ، ولذا جاء بأيقونات تاريخية لينطلق من خلالها إلى دنيا الحرية، في الأقل هذا ما يصادفك عند بوابة الدخول إلى دنيا شوقي؛ التي تبدو في منتهى الفوضى، فوضى متعمدة جيء بها لتخلق عاملا إيحائيا معبأ بالفوضى والصراعات التي كانت كامنة ولكنها ظه ت لتنتفض على الواقع المر الذي نعيشه لعقود مضت ولازالت المأساة مستمرة.
من هنا أعتقد أن شوقي كان يعرف ماذا يعمل، وكان يحاول أن يحسن الصنعة لكي لا ينتقدها أحد، كان يشكو تلك القيود التي تشدنا إلى الأمس إلى درجة الاستعباد: لهذا ترانا معلقينَ بسعفِ نخيلِ الأجدادِ، ووصاياهم، والمباهاةِ بماضٍ تليدٍ يثيرُ القيءَ، ويكشفُ عن مدى سفالاتِ أولئكَ الأجدادِ الذين ارتاحوا لمرأى الدمِ، وأدمنُوا الترحالَ إليهِ، ونرى في ذلك اشارة واضحة للبداوة التي ظل شبحها يلاحقنا وبقينا في صراعات بين المدنية والبداوة تلك التي تعود بقوة كلما ضعفت الدولة وكما اشار الدكتور علي الوردي في سلسلة كتبه «لمحات من تاريخ العراق».
ان الروائي في رائعته « قنزة ونزة» كان يشعر بوطأة التاريخ علينا، وبثقله الملقى على عاتقنا، يراه يحمل القيود التي يربطنا بها إليه فلا نستطيع فكاكا منه، إلى درجة اليأس من التخلص من هذه العلاقة المشوهة التي تستصغر الإنسان وتقزِّمه وتسلب كيانه: لا أحدَ يستطيعُ الانتصارَ على ماضيهِ.. الماضي هو رباطُنا الوحيدُ في اسطبلاتِ حياتِنا الحاضرةِ.. نصهلُ .. نرفسُ الأرضَ محتحين لكن الارض تشدنا الى عمق الدم الذي ارتوته.
إن الموضوع برمته يحتاج إلى نوع من الجرأة الوقحة، جرأة تبيح لك أن تتحدث عما تراه في الآخرين، ولا يرونه هم في أنفسهم، فنحن يمكننا أن نرى بسهولة في الآخرين ما لا نهتم أو نجرؤ على رؤيته في أنفسنا؛ مثلما قال «أوليفر ساكس». من هنا قد تكون جملا مثل: (كلُ ما أطلبُهُ، مساعدةُ فشلي على النهوضِ) و(دعينا ندخلُ المعبدَ سويةً، نرتلُ ما تيسرَ من آياتِ رِضانا، حتى وأن كانَت كاذبةً) و(منذُ زمنٍ طويل، وأنا أربي اللحظاتِ في برجِ أفكارِي، أدارِيها، أمنحُها الأمنَ، والطمأنينةَ ، وألونُ ريشَها بأعذبِ ألوانِ الحناجرِ، ولكنها بغفلةٍ تفتحُ بابَ البرجِ وتغادر.
هكذا هو الرائع شوقي كريم لايقدم كلمته الى القارئ، الا بعد ان يعريها كليا ليتيح له النظر الى ابعادها غير المرئية!
هو يحاول دائما اخذ بعض الحقاىق الدينية التي تمت اعادة صياغتها على لسان ابطال رواياته باسلوب جريء ليخلق منها نقطة اثارة وخلق تساؤلات وحوارات ليهز الاعتقاد بها او ليخلق شكوكاً في نفس المتلقي يجعله يعيد النظر فيما يؤمن به هل هي حقيقة ام خرافة يستشهد دائما برؤى ممن سبقونا من الامم للنهوض ويستأنس بآراء الادباء،والمفكرين في زرع رؤى اجتماعية جديدة ومفاهيم ترسيخ الحق والعدالة الاحتماعية ويبدو تأثـره واضحا في اراء «جان جاك روسو» في كتابه «العقد الاجتماعي».
ويرى الكاتب ان مهمة ثقيلة تقع على عاتق جيله، لان الصراع المرير الذي عاشه جيل النصف الثاني من القرن العشرين من العراقيين، جعل صروح الفلسفة تتهاوى أمام عظمة خلودهم الجريء، لترتشف من ريق تجربتهم دروسا تغنيها حينا من الدهر، فهم جازفوا بخوض تجربة التجديد، لا تنصلا عن حمل الأمانة، وإنما رفضا للحمل الثقيل الذي ألقته الأمانة على ظهورهم دون أن تقدم لهم شيئا ينفعهم في تجربتهم الحياتية: «المحنةُ أن تمحوَ كلَ ما تنتمي إليهِ، محاولاً تشييدُ ذكرياتٍ جديدةً، لذا أرى أن من حق هذا الجيل أن يكون وصيا على من جاء بعده، لا بالشكل القسري الإكراهي المتداول، بل من خلال بث الحكمة عبر كلمات جميلة لتولد محملة بوصايا العشق والحياة، وتستقبل بفرح مثل أي وليد طبيعي آخر، فالإنسان لا يمكن أن يتماهى مع إنسانيته إلا من خلال الحكمة: «لا تحنِ رأسَكَ، ظِل مثلَ نخلةٍ لا تنكسرُ، واصنع من يديكَ جناحينِ لتحلقَ بهما إلى حيثُ تشاءُ، لا تغسل وجهَكَ بغيرِ عسلِ الابتسامِ، وأمنح عينيكَ ضوءَ كلِ الاشتهاءاتِ التي يمكنُ لكَ أن تنسجَ خيوطَها حولَ غموضِكَ الباعثِ على السؤالِ، إياكَ والصمتَ عندَ خرائبِ الإجابات لأنَ الإجابات سرُ معارفٍ عاطلةٍ، ذكورةٌ ميتةٌ لا تمنحُكَ غيرَ العجزِ والفشلِ، انغمس ما استطعتَ في بحارِ الأسئلةِ الحارةِ الدسمةِ، وحاذر.. حاذر أينما أخذَتكَ الأرضُ أن تستسلــــمَ لوجعٍ، أو تمنحَ نفســـــَكَ لأنثى تعلمُكَ الاستسلامَ»!
إن من خفايا رواية «قنزة ونزة» التي نمارس طقوس قراءتها الآن بصمت جنائزي، أنها تبدو متمردة على الأفكار التقليدية: الدينية والسياسية والاجتماعية وحتى الأخلاقية، لكنها لمن يفهم غورها، جاءت لتؤدلج كل هذه المسميات وفق التطويع الواقعي للخبر الروائي، ونرى بوضوح وجود شخصية نابليون عبر الرواية برمتها والتي تمثل صوت الكاتب وآراءه، دون ان يؤثر ذلك في سير الاحداث او المساس بشخوص الرواية ليعكس صدى ايجابي لتغييرات واجب حدوثها لكسر القيد الذي ننوء تحت كاهله لسنوات بل لعقود مضت، وانه ان الاوان للتفكير في العيش بواقعية ومسايرة التغييــرات الحقيقية النهوض بواقعنا المرير.



