الجوائز الروائية العربية.. نحو عمل أكثر تأصيلاً لخدمة الأدب العربي

صاحبت موجة الإنتاج الروائي العربي الغزير في السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في عدد الجوائز الممنوحة لهذا الفن الأدبي بشكل خاص، محلياً، أي تلك المخصصة لأدباء من دولة محددة، وعربياً، وفئوياً، أي تلك التي تشترط عمر المتقدم، ونتاجياً (الجوائز المخصصة للروايات المنشورة وغير المنشورة).
ومع أن هذه الجوائز تحمل أهدافاً نبيلة من بينها تسليط الضوء على الإبداع الروائي وأصحابها، وتكريمهم مادياً ومعنوياً، والتشجيع على القراءة والمساهمة بشكل كبير في نقل الأدب العربي إلى فضاء عالمي أرحب، فإن النيات وحدها لن تساهم في ترجمة هذه الغايات ما دامت هذه الجوائز وطريقة عمل لجانها تفتقر إلى الآليات وتعوزها الممكنات، وربما تنقضها حتى الخبرات الإدارية المطلوبة. بعض هذه الجوائز صار عمرها سنين عديدة، وهي المدة الكافية لمنح القائمين عليها خبرة واسعة تستفيد منها دورة إثر أختها، لا أن تظل تدور في الحلقة ذاتها من الآلية الفقيرة وطريقة العمل المجهولـــة والمكــررة وغيــاب التجديد. مثل هذا الأمر لن يتحقق إلا بالوقوف على مكامن الضعف والقوة لكل دورة لاستنباط العبر واستشراف آراء الشرائح المعنية عبر اجراء استبيان واسع النطاق لجمهور كبير مـــن القراء والنقاد والروائيـــين والنــاشرين.
فالكثير من هذه الشرائح بدأت تفقد ثقتها في الأعمال الفائزة أو المرشحة للقوائم المتنافسة، وباتت متيقنة أن ثمة عوامل تلعب دوراً في اختيار الأعمال بعيداً عن الإبداع والجمال الأدبي، ناهيك عن ثقتهم شبه المطلقة بوجود بون شاسع ما بين الجوائز الأدبية العربية ونظيرتها الأجنبية، مع أن الأخيرة لا تسلم من تأثيرات اللوبيات الأدبية.
ومن بين الملاحظات أود الإشارة إليها في هذا المقال، أملاً في أن تساهم في تطوير عمل الجوائز الروائية:
أولاً: الجائزة، بعدّها مشروعاً مثل أي مبادرة أخرى، بحاجة إلى فريق عمل متكامل لا مجرد لجنة مؤلفة من عدة أشخاص تعمل معظم الوقت بطريقة مفردة ولا تجتمع إلا مرات قلائل خلال الدورة الواحدة.
وأحد مهام هذه الفرق هي الترويج للجائزة بشكل منظم ومنسق واستخدام منصات التواصل الإجتماعي مثل يوتيوب/فيسبوك لتوضيح المعايير وكيفية التقديم وكذلك كيفية اختيار أفضل الأعمال. مشكلتنا الكبرى في العالم العربي هي عدم التوثيق فلا أحد يعرف مثلاً بما يجري في اجتماعات اللجان، والنتائج التي تخلص إليها، والتوصيات وأوراق العمل المقدمة، وهل ثمة تغير في معايير التقييم، بل كل شيء يجري ارتجالاً على ما يبدو. شخصياً، وجدت في لجنة جائزة الإبداع العراقي تنظيماً ومتابعة أفضل بنحو كبير من أبرز الجوائز العربية الممنوحة للرواية، حيث بذل الفريق جهوداً واضحة للترويج للزيارة واجراء اللقاء والمؤتمرات الصحافية في عدة مدن عراقية لشرح أهمية الجائزة وكيفية الترشح لها وحيث مجموعة أكبر من ذوي الابداعات للترشح لها.
ثانياً: ليس المهم من هذه الجوائز القيمة المالية الممنوحة للمؤلف، بل الأهم أن تخدم هدفين رئيسين: زيادة اقبال الجمهور العربي على القراءة، ونقل الرواية العربية إلى فضاء عالمي. ومثل هذا الأمر يتحقق عندما يثق القارئ العربي بنزاهة ودقة وصوابية اختيار الأعمال المتوجّة، وكذلك الناشر الأجنبي الذي سيتلقف الأعمال الفائزة ويقوم بترجمتها على حسابه لأنها مكتوبة بمعايير إبداعية تروق لجمهور عالمي. ولكن ما حصل للأسف أن الجوائز خدمت دور النشر العربية أكثر من القارئ بينما لم يلقّ العديد من الأعمال المتوجّة اقبالاً ملحوظاً لدى الناشر الأجنبي.
مثلاً، رواية «الطلياني» المتوجّة بجائزة البوكر عام 2015 التي تكفلت هيأة أبوظبي للسياحة والثقافة بترجمتها للانجليزية لم يتم حتى الآن التعاقد مع أي ناشر حتى مع سعي الوكيل الأدبي لإقناع عدد كبير من الناشرين البريطانيين.
ثالثاً: تفوق عمل على آخر، وفقاً لتصريحات اللجان، يقوم على أساس أفضلية العمل. تعريف «الأفضلية» بحاجة إلى دقة واعتبارات وإعادة تقييم مضنية لا ارتجالية، وأن يملك المقيمون الشجاعة الكبيرة والحيادية التامة في التعامل مع كل الروايات الواردة إليهم، حتى لو اختلفوا مع طروحاتها فكرياً وسياسياً ونفسيـاً واجتمــاعياً.
عدد ليس بالقليل من الأعمال التي طالعتها، والتي وصلت للقوائم والقصيرة أو تلك التي فازت بالجوائز، لا تملك أي لون من الابداع واللغة والثيمة الرصينة وحتى المعرفة بفن الرواية، وهو الرأي شاطرني فيه كثير من الأدباء والنقاد لضحالة وسطحية السرد، فكيف لمثل هذا العمل أن يتفوق على غيره، بل يتوج على جمـيع الأعمـــال المنافســـة. يجب وضع معايير علمية لا ارتجالية أو ذائقية لتقييم الأعمال فهذه المعايير دخلت في المجالات كافة تقريباً، حتى في اختيار ملكات الجمال.
فعلى سبيل المثال يمكن وضع 20 معياراً تتعلق مثلاً باللغة والخيال وعمق الطرح والشخصيات والثيمة والابداع والتجديد وتماسك النص ولكل معيار خمس درجات، ليصار تقييم وحساب كل عمل والاعلان عنها بشفافية تامة.
طوال دورات الجوائز العربية، لم أصادف رأياً تفصيلياً من عدة صفحات يبرر الباعث وراء تتويج عمل ما بالجائزة الممنوحة، بل وجدت كلمات لا تتعدى السطر الواحد وعلى استحياء لاختيار العمل وتتعلق هذه الكلمات الفقيرة بثيمة العمل لا الجانب الإبداعي، مما يرسخ الاعتقاد بارتجالية ومزاجية الاختيار. رابعاً: الرواية كعمل ابداعي خيالي يقوم على عدة شخصيات وأحداث وثيمات من الصعب قولبتها أو تأطيرها وهي تختلف من كاتب لآخر ومن بلد لآخر وأحياناً حتى بين الأعمال المتعددة للكاتب نفسه.
وفي الشكل العام، تختلف الرواية العراقية عن المصرية وعن الفلسطينية وعن السودانية وكذلك عن روايات بقية الدول العربية.
وفي الغالب أيضاً، يميل القراء والنقاد في بلد عربي ما إلى مطالعة الإصدارات الجديدة لمؤلفي بلدانهم بحكم توفرها ومعالجتها لقضايا أقرب وجدانياً للجمهور المحلي فضلاً عن توزيعها مجاناً على النقاد من أجل تشجيعهم عن الكتابة عنها. هذا الأمر برأيي قاد النقاد/المحكمون وجدانياً إلى تفضيل الأعمال الصادرة من مؤلفي بلدانهم بنحو أكثر من غيرها، لذلك نرى حضور دول معينة في منصات التويج بشكل دائم، مقابل غياب دول مثل الجزائر وحتى مصر التي تشارك بحصة الأسد في الدورتين الماضيتين من البوكر، حيث لم تصل سوى رواية إلى القائمة القصيرة في تلكم السنتين مقابل حضور بارز للرواية الفلسطينية.
خامساً: الجوائز العربية لا تفرق بين الروايات الخيالية وغير الخيالية fiction and non-fiction مع ميل واضح لتفضيل الأعمال المكتوبة بصيغة الشخص الأول لا الراوي العليم بعدّها روايات ما بعد الحداثة. وفي المقابل فإن الروايات المسرودة بتقنية الراوي العليم تتطلب جهداً أكبر وخيالاً أوسع وثيمة أكثر تمـاسكاً بحكم تعــدد الشخصيات.
لقد وجدت أن أغلب الأعمال المتوجّة والمتنافسة هي مكتوبة بصيغة الراوي غير العليم حتى تلك التي كانت تتثيم حول شخصية تاريخية مثل ابن عربي في رواية موت صغير التي توجهت بالبوكر عام 2017.
مثل هذه الأعمال تجعل الحكام/المقيمين يميلون وجدانياً إليها أكثر من الأعمال المكتوبة بتقنية الراوي العليم (القائمة القصيرة للبوكر هذا العام جميعها مكتــوبة بهـذا الأسلوب).
لقد فهمت دور النشر العربية البارزة هذه اللعبة وأخذت تفضل هذا اللون من الكتابات «الخفيفـــة» و»السريعة» بالمقارنة مع الروايات العميقة والطويلة، فباتت تتربع على منصات التتويج بشكل شبه دائم. وبالمحصلة، استفادت دور النشر والمؤلفون من الجوائز، بينما خسر القارئ وحده الذي يتلهف طوال العام لاقتناء الرواية الفائزة ولما يكتشف أنها لا تلبي طموحه وتطلعاته وثقافته الأدبية، ليميل بالتالي إلى قراءة الأعمال العالمية.



