قراءة إنطباعية عن رواية «نذير الدرويش» للمؤلف ناهي العامري
لست ممن يدلي برأيه على اي كتاب يهدى إليّ، لأنني اتردد احيانا بسبب انزعاج البعض، الا انني أُبيّن بصراحة ما ينتج عن تفاعلي اذا رغب المؤلف بالاستماع لرأيي. بعض المؤلفات قد تجلب انتباهي وأجد فيها جانبا ايجابيا وفي نفس الوقت أجد فيها ـ من وجهة نظر القارئ وليس ناقدا ـ بعض الهفوات فلا اخفي هذا وقد اكون مخطئا في التقويم او التقييم، لأنها وجهة نظر انطباعية وليست تحليلية. وفي كل الاحوال انا أعدّ اي محاولة للكتابة هو جهد ايجابي ما دام الغاية منه اضافة ثقافية لغرض الفائدة او المتعة الايجابية والمثمرة.. وربما ما اراه انا يراه غيري عكس ذلك.في الواقع رواية (نذير الدرويش) للكاتب ناهي العامري والصادرة عن دار امل قبل نهاية عام 2018 هي من هذا النوع.
وعلى الرغم من كونها المحاولة الاولى الا ان الكاتب تمكن من ناحية اللغة الرصينة ان يتدرج باسلوب جيد في وصف الأحداث والشخصيات ومنح الرواية صفتها وجنسها متجنبا السقوط في شرك الحكاية، من خلال تقسيم الفصول واتخاذ جانب التداعي للبطل لمعرفة عقدته النفسية، فكان موفقا في الخروج الى الحيادية بعيدا عن الذاتية.
الجانب الايجابي الآخر هو فكرة الرواية او ما يسمى بـ»الثيمة»، اذ بنى المؤلف الأحداث على اصابة صحفي بمرض نفسي وهو شعوره بالاستهداف من اطراف مهمة، لغرض تصفيته ولم يتجنب المؤلف تسميتهم بشكل مباشر (رئيس، زعيم، فتاة تدعى سحر) ليكون ذلك سببا في رقوده في مستشفى العلاج النفسي (ابن رشد). وانا ارى الاشارة بشكل مباشر لهكذا شخصيتين (رئيس، وزعيم) هو نوع من الجرأة، حيث لم يبنِ المؤلف الفاعلَ على المجهول ومنح روايته صبغة وثائقية، ولا سيما حين يحدد امكنة ومؤسسات حقيقية مثل مستشفى (ابن رشد) و(نقابة الصحفيبن) و(امانة بغداد) و(المحافظة) وغيرها ليكون اكثر واقعية. اضافة لتناوله موضوعا يتعلق بمشكلة كبيرة تتعلق بازمة السكن، تلك العقدة التي عجز عن حلها أغلب الحكومات السابقة وأدّت بعد التغيير الى انتشار العشوائيات بشكل كبير.. وفشلت الحكومات المنتخبة من معالجة تلك المشكلة.. ورغم واقعية الرواية الا انه استخدم في فصول معينة الاسلوب الشاعري البسيط، ولا سيما في المواقف الرومانسية.
حافظ المؤلف على وحدة موضوعه ولم يشتت انتباه القارئ لعقد اخرى خارج تصورات وانفعالات الشخصية الرئيسة على الرغم من وجود شخصيات اخرى الا انها كانت تدور بنفس فلك.الشخصية الرئيسة.
لكن.. الفكرة التي اشتغل عليها الكاتب وهي (وهم الصحفي والشعور بعدوانية خارجية) لم يطورها او يوظفها بابعاد عميقة، اذ طفت فوق السطح ولم تغُصْ في اعماق (اللا شعور ) ليكون التداعي قريبا من لغة متميزة لصحفي يعشق الادب مع طبيب نفساني. عَوّمَ المؤلف اساس المشكلة هو الشعور بالفقر والطموح نحو الافضل والحرمان العاطفي، ولا سيما ان عقدة الشخصية ناجمة من الخوف من شخصيات مهمة (رئيس، وزعيم)، كان يمكن ان يتوغل في الجانب السياسي والتغييرات الجوهرية في البلد بدلا من الاكتفاء بمشكلة السكن فقط ويعدّها أساساً.
الملاحظة الاخرى أنه أسهب كثيرا في وصف بعض الاحداث او الافعال وهي ليست جوهرية،اذ يمكن اختزالها ولا سيما فيما يتعلق بدخول البطل الى المستشفى وفحص الطبيب وزرق الابرة وكتابة العلاح وغيرها تفاصيل لا تضيف للرواية امورا جوهرية.الملاحظة الثالثة: لم تبدُ لنا الجلسات النفسية مقنعة وقد سماها (اعترافات)، حيث بدت هي مذكرات غير داعمة لفكرة العقدة النفسية، بل سرد طبيعي من شخص ناضج تماما وغير مصاب كأنه يحكي قصة حياته متناولا موضوع (مشكلة السكن والجانب العاطفي) ولم نلمس من الطبيب النفسي اي جهد (سايكلوجي) واضح في معالجة العقدة.الملاحظة الأخيرة: اين الخيال في السرد؟ الثيمة التي اختارها الكاتب (العقدة النفسية) وهي تصلح كحقل خصب للخيال لم يستفد منه المؤلف بشكل جيد.
الرواية محاولة جيدة، وما كتبته هو رأي شخصي، اتمنى للمؤلف التوفيق والنجاح.
عبد السادة جبار



