اراء

الصين تفرض هيمنتها على بحريها الشرقي والجنوبي

بقلم: أحمد صبري السيد علي..

كما كان متوقعاً بالنسبة إلى الكثيرين من المحللين، غرقت أمريكا حتى أذنيها في الرمال الإيرانية المتحركة، ولم تعد قادرة على التراجع.

دفعت العجرفة والمعلومات الصهيونية المضللة، الإدارة الأمريكية إلى إحراق كل أوراقها دفعة واحدة في مواجهة تصورت أنها ستستمر لساعات، فتجاوزت حتى الآن الشهر، ومازالت مرشحة للاستمرار، مستنزفة مخزونات السلام الأمريكية والصهيونية، وفارضة حلين بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية لا ثالث لهما: إما تحقيق انتصار صريح وتحقيق كل الأهداف المعلنة، كإسقاط النظام والقضاء على منظومات الصواريخ والمسيرات الإيرانية والبرنامج النووي الإيراني، وإما القبول بهزيمة صريحة على أمل تجميلها في الإعلام أو التخفيف من آثارها مستقبلاً. ولا يبدو أن الأمريكيين والصهاينة قادرون على تحقيق أي أهداف يمكن اعتبارها انتصاراً ولو كان وهمياً.

ما الذي تفعله الصين في البحار الشرقية؟

في شباط الماضي، وفي وقت سابق على بدء الاعتداءات الأمريكوصهيونية على إيران، وقع حادث بين طائرات أمريكية قامت بطلعات تدريبية من قاعدتها في أوسان في كوريا الجنوبية فوق البحر الأصفر، حيث دفعت الجيش الصيني إلى إرسال مقاتلات خاصة به رداً على ذلك.

وبحسب وسائل إعلام، فقد جاءت التدريبات الأخيرة وسط تكهنات بأن واشنطن سوف تسعى إلى إعادة تعريف دور قواتها في كوريا الجنوبية، حيث تدفع صوب التركيز على مواجهة التهديدات الصينية، وهو ما سبق أن أكده زافيير برونسون قائد القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية في 17 تشرين الثاني من العام الماضي، إذ أشار إلى أن القوات المتمركزة بالفعل في شبه الجزيرة الكورية لا تظهر على أنها أصول بعيدة تتطلب تعزيزاً، بل كقوات متمركزة بالفعل داخل محيط الفقاعة التي ستحتاج الولايات المتحدة إلى اختراقها في حالة حدوث أزمة أو طارئ.

هذا الصِدام، وإن لم يتحول إلى اشتباك بين الجيشين، كان في ظل ذروة تصاعد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، حينما كانت الأولى تحشد قواتها استعداداً للحرب، ويمكننا أن نعتبره بداية الإجراءات الصينية التي تسعى لتأكيد هيمنتها على بحريها الشرقي والجنوبي.

في 31 آذار الماضي، ذكرت القيادة الجنوبية للجيش الصيني أنها أجرت دوريات استطلاع بحرية وجوية حول منطقة سكاربورو شول في بحر الصين الجنوبي، وهي منطقة تعتبرها الفلبين تابعة لها، لكن الصين تعتبرها كذلك جزءاً من أراضيها. وكان من الواضح أن الصين تقوم بالرد على التدريبات العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية والفلبين في الشهر نفسه، وقبلها المناورات التي قام بها الجيشان في 27 كانون الثاني الماضي، إضافة إلى عدد من المناورات التي تجريها الفلبين في المنطقة مع حلفائها، كالولايات المتحدة واليابان وأستراليا، منذ عام 2023، لكن الجديد هذه المرة أن الصين، وبعد ثلاثة أيام فقط، قررت إطلاق حملة بناء جزر اصطناعية في المنطقة البحرية ذاتها، محوّلة شعاب أنتيلوب في جزر باراسيل إلى أكبر قاعدة عسكرية لها في بحر الصين الجنوبي، والتي ستتضمن مدرجاً إضافياً للطائرات، ومنشآت صاروخية ومحطات مُراقبة.

ما الذي تريد الصين تحقيقه من كل هذه التحركات؟

منذ فترة، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى الإبطاء من التطور الصيني الذي لم يعد يكتفي بمجرد التطور الصناعي، إنما اتخذ بالفعل خطوات التمدد والهيمنة مستخدماً صيغاً اقتصادية وثقافية، عبر مبادرة الحزام والطريق التي أعلن عنها، في مقابل اكتشاف الأمريكيين أنهم رغم سيطرتهم على النظام المالي، إلا أنهم أضعف من الناحية الاقتصادية، كنتيجة سلبية لهيمنة الدولار، وهو ما يهدد وضعهم كقوة عظمى في العالم تم استهلاكها في عدد من القضايا والحروب التي أضعفت اقتصادهم، ووجهت إليهم إنذاراً بأن هذا الصعود الصيني الهادئ لن يكتفي بمجرد مكاسب اقتصادية ولن يتوقف عندها.

كان الرد الأمريكي على هذا الوضع هو تجاوز مرحلة معاهدات الدفاع الثنائية بينها وبين دول المنطقة مثل اليابان، والفلبين، وكوريا الجنوبية، إلى المعاهدات والتحالفات الجماعية في محاولة لإنشاء ما أطلقت عليه الصين ناتو آسيوياً، مثل تحالف (QUAD) الذي تأسس بمشاركة الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، وهو إطار أمني/استراتيجي، يركز على أمن المحيطين الهندي والهادئ.

لكن المشكلة لم تكن مجرد الحصار العسكري، فقد سعت إدارة ترامب إلى التجاوز لمرحلة عزل الصين اقتصادياً، بداية من تفعيل ممر الهند -الشرق العربي- أوروبا (IMEC)، الذي ينظر إليه كبديل لمبادرة الحزام والطريق، وعلى الرغم من أن المشروع أعلن عنه في 2023 كتطوير لاتفاقية (I2U2) والتي جمعت بين الهند والكيان الصهيوني والإمارات العربية، إضافة إلى الولايات المتحدة سنة 2022، إلا أن ترامب اتخذ قراراً في بداية ولايته لمحاولة وضع المشروع في موضع التنفيذ. وكان من بين أهم أهداف التأسيس لهذا الممر: تعزيز دور الهند كشريك موازن للصين، دمج الشرق العربي أكثر في البنية الاقتصادية الهندية والغربية، وخلق شبكة لوجستية تنافس الممرات الصينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى