تأثير العارف في السياسة بفكر الإمام الخميني «قدس سره»
د. السيد محمد الغريفي
ثمة آراء مختلفة حول العلاقة بين العرفان والسياسة..فالبعض يرى من خلال إعطاء تعريف خاص للعرفان، بأن الفكر العرفاني لا يستطيع أن يؤسس للفكر السياسي لأن العرفان يعتمد اعتـزال الدنيا، في حين يكرس الفكر السياسي نشاطه للسلطان الدنيوي. وفي المقابل ثمة فئة أخرى تعتقد بأن العرفان والسياسة على اتصال مع بعض ومن الممكن تأسيس الفكر السياسي على ضوء الفكر العرفاني والاستفادة منه بمثابة قاعدة للفكر السياسي..فالعرفان يتناول البحث في عالم الوجود وعلاقة الإنسان مع نفسه ومع الله عن طريق الأصول الكشفية، ويتناول كيفية القرب من الله حيث يطلق على هذا الجانب مصطلح السير والسلوك..فالإمام الخميني(قدس سره) من جملة المفكرين الذين يؤكدون العلاقة بين العرفان والسياسة، إذ أن سماحته يقدم تعريفاً لكل من السياسة والعرفان يجعلهما متصلين معاً:(إن فئة كبيرة تتصور أن مفهوم العرفان هو أن يجد الإنسان له مكاناً معزولاً يردد فيه الذكر ويؤدي حركات معينة راقصة. فهل هذا هو مفهوم العرفان؟ لقد تصوروا بأن العارف هو الذي يختار العزلة ويردد الذكر وينشد المدائح)..ويمضي سماحته بالقول:(بان مثل هذا العمل لا يتطابق مع سيرة الأئمة، وان الكثير من الأئمة والأنبياء أمثال إبراهيم وموسى والنبي محمد والإمام أمير المؤمنين، وفي ذات الوقت الذي يتحلون بالعرفان كانوا يخوضون في السياسة ويتابعون شؤون الخلق)..وكان الإمام الخميني (قدس سره)يؤمن بأن الفكر الذي يسطع من نور معرفة الله ينبغي له أن يضيء بنوره على المجتمع كي يتسنى للجميع الاستفادة منه. وكان سماحته يقول:(لا صومعة الصوفية تعدّ دليلاً على الاتصال بالحق، ولا النـزول إلى المجتمع وتشكيل الحكومة شاهد على الانفصال عن الحق، إذ أن المعيار والملاك في الأفعال هو دوافع الأشخاص)..وعموماً، وانطلاقاً من الرؤية العرفانية الخاصة التي كان يتمتع بها الإمام الخميني، لا يؤمن سماحته بالانزواء في البرج العاجي وسلوك العرفان السلبي الذي عليه الكثيرون، وإنما خرج من ذلك ونزل إلى وسط الخلق واهتم بإصلاح الخلق باعتباره ممارسة عرفانية، وطرح مبدأ القيام من أجل الله..ففي الحقيقة أن الإمام الخميني، وبناءاً على هذه الرؤية العرفانية، كان يرفض الفصل بين الدنيا والآخرة، إذ يقول: (يجب أن لا يتصور أحد بأن الإسلام جاء لإدارة الدنيا، أو أنه جاء ليوجه اهتمام الناس إلى الآخرة فحسب. أو أنه جاء ليطلع الناس على المعارف الإلهية [فقط]..إن مثل هذه المحدودية مهما كانت فهي خلاف الواقع.. فالإنسان ليس له حدود، ومربي الإنسان ليس له حدود. كما أن منهج تربية الإنسان – الذي هو القرآن – غير محدود أيضاً)..وإن الإمام الخميني ينظر بمثل هذه الرؤية العرفانية حتى إلى السلطة، فعلى سبيل المثال يقول سماحته في شرح دعاء السحر:(إن السلطة ليست أكثر من وسيلة لإثبات حقانية النظام الحق واستقراره.. إن القدرة الوحيدة القادرة على تحقيق حقانية الحق في العوالم الإنسانية إنما هي القدرة التي يتصل تسلسلها بذات الحق بشكل كامل ومن دون وسيط.. القدرة هي من أمات الصفات الإلهية)..فالإمام الخميني(قدس سره) يرى العرفان الحقيقي في أن يعتبر الإنسان نفسه في محضر الله دائماً، ويشعر بأن الله حاضر وناظر لأعماله.. وكان سماحته يحرص على طرح وترجمة هذه الرؤية العرفانية حتى في أوساط السياسيين. فعلى سبيل المثال وجّه خطابه لكبار المسؤولين قائلاً: (الجميع في موضع الامتحان أمام الله.. ففي تلك اللحظة التي تمسك القلم اعلم أنك تمسكه في محضر الله. وعندما تريد أن تتكلم فاعلم أن لسانك وقلبك وعينك وسمعك في محضر الله.. العالم محضر الله. فلا ترتكبوا المعاصي في محضر الله ….. أريد أن أوصي جميع الذين يمارسون الكتابة والخطابة بأن يتنبهوا إلى أن أقلامهم وألسنتهم في حضور الله، وسوف يؤاخذون على ما يكتبون ويقولون).



