النسخة الرقمية

الرحيل للأصلح

عبد السادة جبار

«لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ
خَيْرُ اَلْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ»
الإمام علي بن أبي طالب (ع)
«بلادي وإن جارت علي عزيزة
وأهلي وإن ضنوا علي كرام»
قتادة بن إدريس
ـ نعم.. ربما.. فعلا.. لا اعتقد.. لن اسمح طبعا.. كيف يحصل هذا؟ لا.. لن افشل.. وسترون باعينكم..
ثم يلوح بيده في الفضاء كانه يتشاجر..
يعتصرني الألم وانا اشاهده يفعل هذا كلما اختلى بنفسه.. تحاصرني دمعة حرى تبقي حبيسة الجفنين.. احاول ان اذوبها.. الا انها تكبر.. ثم تنسفح بقوة.. كانها تنتحر لتعبد الطريق لدموع اخرى..
لا اريده يعرف ذلك.
احاول ان اشعره بوجودي كي يمسك نفسه ويوقف هذا النزف من اوهام التحاور مع اشخاص وهميين.. او عرفهم في مراحل من حياته.. وغابوا..
لقد استنزف دماغه في بحوث معالجة الارض.. اُهمِلت.
ـ ما الذي يحصل اليوم للارض يا ولدي؟
ـ يبقرون بطنها ليشربوا من دمها..
منذ اصغيت له كان يردد: «الارض هي الام.. تعطي كل شي.. ان نفدت ثروة ما.. تولد منها اخرى».
كان يوصينا: «على مهلكم حين تمشون على الارض.. رفقا باجنتها».
قال له عمي ذات مرة: «أ انت جيولوجي ام شاعر؟
ـ لو يعرف الشعراء ما تمنحه الارض من جمال لما شبهوا الحبيبات بالقمر او النجوم.
خيّل الي ان النتف البيضاء التي يحملها فوق رأسه هي جزء من دماغه.. رسمت لرأسه في عقلي صورة سريالية.. تخيلت فيها ان خلايا دماغه تنمو فوق رأسه.. لكنه دماغ يعيش في بيئة تعود القهقهري الى الأمية.
انا ايضا اميٌّ في نظرهِ.. خالفته فيما اراد مني.. لأنني اردت ان اكون واقعياً.. نأيت بعقلي عن ان يتفاعل مع الحقيقة.. وتعاملت مع الواقع.. لكي استمر.. ولا اكرر تجربته القاسية.. لكن ما يؤلمني شعوره بالعجز عن اقناعي.
لو كان الامر مجرد رأي لوافقته.. لكنه كان يريد ان يزجني بنفس معاركه التي انهكته.. واضاعت جهوده سدى.. آه لو شد الرحيل بعيدا عن هؤلاء.. لوافقته.. وتعقبت اثره.. وحققت ما يريد.. كان يرفض حتى مغادرة هذه الدار التي بدت كانها اثر قديم متهالك..
ـ كيف قبلت ان تهمل اختصاصك وتتوظف في هذه الوزارة يا ولدي؟
ـ الراتب افضل.. اخوتي بحاجة لهذا الراتب يا والدي.
ـ ألم نشق طريقنا وتنهِ دراستك بامتياز في زمن الحصار؟
ـ وهل ينبغي لنا ان نستمر في حصارات اخرى؟!
ـ المال يأتي.. والعيشة تتدبر.. لكن زمنا دون خبرة لا يعوض.. انت الان كأي ملف مهمل.
ـ لا وجود لأعمال تمنحنا الخبرة.. اصبح الزمن صفراً.. كل يوم يشبه الآخر يا والدي لا يضاف شيء.. انا فقط أضيف كل شهر مبلغا الى مدخراتنا.
ـ أردت ان ادخرك لعمل يليق بنا.. ان تكون افضل مني..
قالها وهو يغمض عينيه ويمدد جسده فوق سريره الخشبي كأنه يسجيه ليرتاح.. قلت لاوقظ فيه الهمة: «انت الافضل.. هذا يكفي».
ـ هناك من هم افضل مني.. لكنهم غادروا.. رحلوا.. اردت ان اعوض فيك رحيلي.. بقائي لا معنى له.. عليّ الرحيل.
ورحل كما اراد.. رحل بهدوء.
حتى رحيله كان وصية.. استعدت من ذاكرتي كل ما قاله لي عن الارض.. الا اني شعرت باني اقف على ارض مغتصبة.. او مجبرة على العقم.. لقد داست عليها السرفات.. والجزمات.. والاقدام النتنة.. وازدادت عمليات بقر بطنها.
نظرت الى اخويَّ.. كأنني انظر الى ضحيتين..
لقد رحل الوالدان ..وبقينا نحن.
كان الدكتور جعفر يشدني الى هذا المناخ ويحجب عني فكرة الرحيل.. لكن رحيله شجعني..
رحيله دفعني الى ان انفض عن جسدي هذا الغبار المتراكم وانا قابع في مكتب ليس للكتابة فقط.. مكان يشبه الكهف.. وانا اسطر جداول على ورق سيرمى في نفايات.. وسأرمى انا بعد سنين ايضاً.. ان لم ارحل..
لم اخالف رأي والدي الجيولوجي الفذ.. الرحيل للافضل. لن نغادر الارض.. او نرحل عنها بل سنمشي فوقها.. نرحل الى مناخ آخر فوق ذات الارض.. مناخ غير مغتصب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى