علاقةُ الأخلاق بالعمل
يُلفتُ إلى مسألةٍ بالغة الأهميّة هي خلافُ المرتكز في الأذهان غالباً، من أنّ أعمال الإنسان لا تَعدو كَونها نتاجَ أخلاقه، مبيّناً أنّ للأعمال أيضاً دوراً أساسيّاً في صياغة الأخلاق، وأنّ بينَهما علاقة تبادليّة؛ فسلوكُ الإنسان يحكي صفاته الباطنيّة، وفي الوقت نفسه يؤدّي تكرارُ سلوكٍ بعينِه إلى صيرورته ملكةً أخلاقيّةً راسخة، وعلى ذلك شواهدُ قرآنيّة كثيرة..ولا ريب في أنّ أعمالَ الإنسان تَتبعُ أخلاقَهُ الظّاهريّة والباطنيّة، بُحيث يمكن القول إنّ الإنسان يَتأثَّر في سلوكه العمليّ بأخلاقِه الباطنيّة الكامنة في عالَمِ اللَّاشُعور. ولكن من جهةٍ أُخرى، يُمكن لأعمال الشّخص أن تؤثِّر في أخلاقه، من خلالِ صياغتها لمضمون الصّفات الأخلاقيّة في واقعه وفي مُحتواه الباطنيّ..ومعنى ذلك، أنّ الممارسة المستمرَّة لعملٍ ما، حَسَناً كان أم قبيحاً، ستؤثِّر في نفسيّة الإنسان، وتُحوِّل ذلك العمل إلى حالةٍ باطنيّةٍ، ومن ثمَّ إلى مَلَكةٍ أخلاقيّةٍ حسنةٍ أو قبيحة. وبناءاً عليه، فإنّ من الطُّرُق المؤثِّرة في تهذيب النّفْس، هي تهذيبُ الأعمال في حَركةِ الواقع الخارجيّ؛ فمَن مارَسَ الأعمالَ القبيحة، فسوف تتحوَّل على إثرِ التّكرار إلى مَلَكَةٍ سيّئةٍ في أعماق رُوحه، وتكون السّببَ في ظهورِ الرّذائل الأخلاقيّة في دائرة السّلوك والممارسة..ولأجل ذلك، نلحظُ الحثَّ الشّديد، في الرّوايات، على المباردة السّريعة إلى الاستغفار عند ارتكاب المعاصي، لِمَحو أدرانِها وآثارها بماء التّوبة، حذرَ تراكُم هذه الآثار السّلبيّة على القلب، وصولاً إلى حيث تصير ملكاتٍ أخلاقيّةً رذيلة وفي المقابل، نَجِدُ التّرغيب والدّعوة إلى المداومة على الأعمال الصّالحة، كي تُصبح عادةً عند الإنسان، في واقعه النّفسيّ والرّوحيّ..ونستعرض عدداً من الآيات القرآنيّة المباركة الّتي تُشير إلى هذا المعنى:﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المطففّين:14..في هذه الآية،نَجِد إشارةً إلى التّأثيراتِ السّلبيّة للذّنوب في قلبِ الإنسان وروحِه، فهي تسلبُه الصّفاء والنّورانيّة، وتستبدلهما بالظُّلمة والشّقاء..وفي قوله تعالى: ﴿..مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المطففّين:14، الذي وردَ بِصيغة الفعل المضارع، دلالةٌ على الاستمرار، بمعنى أنّ المداومة على القبائح يُنتجُ الرَّينَ -وهو الصَّدَأَ- الذي يُغلِّف مرآة القلب ويكدِّرُها، سالباً إيّاها النّور والشّفافيّة والصّفاء..﴿..كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يونس:12..فتُشير هذه الآية إلى ما يتعدَّى مرحلة الرَّين، وتتحدَّث عن مرحلة «التّزيين». وبناءً عليه، فالتّكرار لعملٍ مّا، يبعثُ على تزيينه في عينِ الإنسانِ ونَظَرِه، فتَألَفُه نفسُه، حتّى أنّه يَعدّه من المواهب والافتخارات الّتي يمتازُ بها عن الآخَرين..وقوله تعالى: ﴿..مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وكذلك قولُه: ﴿لِلمُسْرِفِينَ﴾ دليلٌ واضحٌ على تكرارِ الذّنوب من قِبَلِهم، بل والإسراف والمبالغة في ذلك، فالتّكرار لها لا يمحو قُبحَها فقط، بل وبالتّدريج ستتحوَّل الخطيئةُ إلى فضيلةٍ في نَظَرهم، وهذا يعني -في الحقيقة- المَسْخَ لشخصيّة الإنسان، وهو من النّتائج المشؤومة لِتكرار الذّنوب..وإلى هذا المعنى أيضاً تشير الآيتان الكريمتان: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً..﴾ فاطر:8، و﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ..﴾ النمل:24..و﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا..﴾ التوبة:103..هذه الآية تناوَلَت «قضيّة الزّكاة» ومترتّباتها الأخلاقيّة والمعنويّة في خطّ التّربية وتهذيب النّفس، ولأجل ذلك ورد الأمرُ من الله تعالى إلى مولانا رسول الله صلّى الله عليه وآله باستيفائها من النّاس. وليُلاحَظ هنا، أنّ إخراج الزّكاة يحدّ من الرّكون إلى الدّنيا وزخارفها، ويَقمع البُخلَ في واقعِ النّفس البشريّة، ويحثّ الإنسان على مراعاة حقوق الآخرين، ويغرس فيه حبّ السّخاء والإنسانيّة..وعلاوةً على ذلك، فإنَّ دفعَ الزّكاة يقفُ بوجه المفاسد النّاشئة عن الفقر والحرمان، وبأداء تلك الفريضة الإلهيّة، نكون قد شاركنا في إزالتها نهائيّاً من واقع المجتمع، لذلك فإنّ الزّكاة تُسهمُ في رفع الرّذيلة والفقر في حركة الإنسان والحياة، وتُحلّي الإنسان بالفضائل الأخلاقيّة..فللعمل الصّالح والطّالح دور في تحريك عناصر الخير والشّر، والفضائل والرّذائل الأخلاقيّة، في واقع الإنسان والمجتمع.



