النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

62

ضابط الأمن الَّذِي نجهل أي زاوية قصية اتخذها هو – وَمِنْ أمثاله – مستقرا لهم فِي «أرصفةِ الهوامش»، والَّذِي جهد فِي محاولةِ حمل السَماوي يحيى عَلَى الكَفِ عَنْ كتابةِ الشِّعْر، بالإضافةِ إلَى إخبارِه عمَّا سيحل به فِي القادمِ مِن الأيام؛ لأجلِ تقويض جذوة همته وَاحتواء ثوريته المتنامية، لَمْ يطلع قطعًا – حتى وَلو بشكلٍ محدود – عَلَى ثمراتِ الذهن الإنسانيّ فِيما يتعلق بمواجهةِ الاستبداد، كمقولة الشاعر وَالروائي فيكتور هوغو (1802 – 1885) الَّذِي يُعَدّ أبرز أدباء فرنسا فِي الحقبةِ الرومانسية، وَالَّتِي نصها «عندما تصبح الدكتاتورية حقيقة واقعة، تصبح الثورة حقاً من الحقوق»، وَلَمْ يَدُر بخلَدِه أيضاً وَهو يبلغه رسالته تلك، أنَّ هذا الطالب الجامعي سيصبح يوماً فناراً مشرقاُ فوق أرصفة الأدب، أو كمَا يشير إليه الأستاذ الدكتور خضير درويش بوصفِه «باسقة مِن باسقات عراقنا الحبيب»، فأين الثَّرَى مِن الثُّرَيَّا ؟ كما يقول المثل العربي؛ إذ أَنَّ السَماوي يحيى أو «المبدع الدائم الإقامة في كونِ الشِّعْر البهي قمرا» بحسبِ الشاعر وَالناقد وَالآكاديمي الدكتور عبد المطلب محمود، حظيَ منجزه الشِّعْري الإبداعيّ باهتمامِ الكثير مِن الأكاديميين وَالباحثين وَ الأدباء وَالنقاد «دراسة وَنقداً وَترجمةً وَبحثاً وَتحليلا»، وَلعلّ مِن المناسبِ أنْ أُشيرَ هُنّا عَلَى عجالةٍ إلى غيضٍ مِنْ فيضِ آراء بعضهم، حيث يشير إليه الشاعر الدكتور عصام البرام بِمَا نصه «عندما تتسامق قامة أدبية شعرية كبيرة، تحمل بين طياتها روح العراق وقامة نخيله الممتدة على فراتيه، والمتمثلة بشاعر العراق الاستاذ يحيى السماوي، فلا بد من الوقوف برهة للتأمل بمثل هذه القامة، والتأمل بروح القامة والابداع الذي رسمه لنا مثل السماوي عبر تأريخه الإبداعي والنضالي الكبير». ويضيف البرام أيضاً مخاطباً إياه «لقد كنت كما قرأتك في الأمس وأقرأ اليك اليوم، شمعة أدبية عراقية بين الشموع العالمية، والتي أضافت للإنسانية جمعاء أدباً عالمياً وضاءاً». وَيقول الكاتب وَالسِّياسِيِّ العراقي الدكتور كاظم حبيب الَّذِي يعمل فِي مجالِ الدفاع عَنْ حُقُوقِ الإنْسَان «إنَّ هذا الشاعر الغريد يستحق الكثير الكثير الذي نعجز عن ذكر مساهماته الرائعة في نشر الحب عبر مشاعره الإنسانية المتجسدة في قصائده الممشوقة والشفافة»، وَيكتب عَنه الشاعر وَالمترجم الأردني نزار سرطاوي المولود فِي بلدةِ سرطة الفلسطينية «الشاعر الكبير يحيى السماوي، مبدع وإنسان أثرى الساحة الأدبية والثقافية بفيض من نور، وساهم في تشكيل ذائقتنا الأدبية». وَفِي مداخلةٍ جميلة كتبها فِي منتصفِ أيلول مِنْ عامِ 2017م بأحدِ المواقع الإلكترونية الأديب العراقي الدكتور حميد نعمة العبد مشيراً فِيها إلى شاعريةِ السَماوي بالقول «منذ اكثر من خمس سنين عدت الى العراق، ومن يومها لم اتصفح اية مجلة او أكتب في أية صفحة، لكن مجيء صديقي الدكتور حسين سرمك إلى الديوانية واهداءه لي بعض مؤلفاته ومنها الكتاب الذي يناقش مسيرة الشاعر يحيى السماوي كشاعر ايقظني». كذلك تحدث الشاعر العراقي سلام كاظم فرج عَنْ منجزِه الإبداعي بقولِه «الشاعر يحيى السماوي رمز إنساني كبير، منح الشعر العربي الأصيل ديمومته وجزالته وعنفوانه.. غنى شعبه في أحلك العهود»، فلا غرابة فِي أنْ يكون الإبداع عنواناً للسَماوي يحيى الَّذِي عبرت عَنه الشاعرة العراقية الدكتورة سراب شكري العقيدي بالقول «الشاعر الكبير يحيى السماوي قامة شعرية هامة لها حضورها اللافت في المشهد الشعري العراقي والعربي والمهجر».
فـمُـكِ لـيـس شـيـطـانـاً
فـلـمـاذا لا يـقـبـلُ الـعـشـقُ حَـجَّ فـمـي
إلا بـعـد رمْـيِـهِ بـسـبـعِ بـاقـاتٍ
مـن زهـورِ الـقُـبُـلات؟
ـ ـ
حـيـن عـقَـدَتِ الـحـديـقـةُ قِـرانَ مـيـاسـمـي عـلـى تُـوَيـجـاتـك
آمـنـتُ أنّ «الـقـنـاعـةَ كـنـزٌ لا يـفـنـى»
فـأنـا يـكـفـيـنـي مـن كـلِّ الـدنـيـا:
خِـدرُكِ
وكـأسٌ مـن زفـيـرِك
وطـبـقٌ مـن خـبـز تـنـورك
مع لـحـافٍ مـن دفـئِـكِ يـسـتـرُ عـورةَ
شِـتـاءات جـسـدي!
ـ ـ
مـنـذ أربـعـةِ أنـهـارٍ وخـمـسـةِ جَـداول
وأنـا بـسـتـانٌ عـلـى سـعـةِ الـعـشـق
عـاصـمـتُـهُ نـخـلـتُـك
ـ ـ
لا عُـشَّ كـشـفـتـيـكِ يـلـيـقُ
بـعـصـفـور فــمـي
ـ ـ
أكلُّ هـذه الـبـحـارِ/ الـصـحـارى/ الـغـابـات/ الـتي بـيـنـنـا
ونـحـن أكـثـرُ اقـتـرابـاً
مـن شـفـتـيـن مـضـمـومـتـيـن!
السَماويُّ يحيى أو «أحد أنهار العراق الذي يفتخر به العراق وأهله» بحسبِ القاصة العراقية سنية عبد عون رشو، وَالَّذِي لَمْ يكن بوسعِه – مثل الآلاف مِنْ أبناءِ شعبه – مغادرة السباحة فِي بحيرةِ الوجع العراقي، كان أحد الأعمدة الرئيسة فِي الشريحةِ الاجْتِماعِيَّة الأولى مِن المتضررين بفعلِ سياسات النظام الدكتاتوري؛ إذ أنَّ ضريبةَ مواجهة السُّلطةَ أملاً فِي بزوغِ فجر الحُرِّيَّة الَّذِي يفضي إلى استعادةِ البلاد هويتها وَسيادتها وَهيبتها، كانت ثقيلة التداعيات وَباهظة التكاليف عَلَيه، حيث ارتضى وَهو يتصدى لِمَنْ نهشَ أحلامه واغتصب مستقبل شعبه، البعيد مِن المنافي، وَعمل فِي أحلكِ الظروف بساحاتِ الغربة الَّتِي لا تخلو يومذاك مِنْ خطورةِ الملاحقة وَالاغتيال، فكان أنْ تركَ بصمات قوية، لا يمكن محوها مِن ملفاتِ الذاكرةِ الوَطَنيّة، حيث أَنَّ السَماويَّ مَا يَزال رباناً ماهراً فِي توجيِه منظومته الشِّعْرية بصورةٍ جعلته: «يقف عند سدرة الإبداع، يضيء جوانب العتمة وهو يطل علينا من أفق النور حاملاً بيديه عشبة الشعر الخالد» بحسبِ الشاعر العراقي أحمد الشطري. وَلا أدل عَلَى هَذَا المعنى مِنْ قيامِ «المؤلفة الموسيقية الأسترالية هيلاري كلينغ بتحويلِ خمسٍ مِنْ قصائدِه إلى نوتاتٍ موسيقية بتقنيةٍ خلابة عَلَى شكلِ لوحةٍ جدارية، تعبيراً عَنْ اهتمامِ دول أوروبا بالخيالِ السمعي وَالبصري المستفز، وَتثميناً لمنجزِ السَماويّ الإبداعي. وَممَا هو جدير بالإشارةِ أنَّ بعضِ مَا ظهرَ مِن جزئياتِ الرؤية النقدية الخاصة بتجربةِ السَماوي الأدبية فِي ظل معادلةِ الإبداع، أكدت قيمةِ توظيفه الألم فِي منجزِه الشِعري، وَالَّتِي ساهمت بتوطيدِ رأيٍ عام مشترك فِي المشهدين الثقافي والانساني، وَلعلَّ ما ذكره صديقه الشاعر فائز الحداد، يؤكد الأمر الَّذِي ذهبنَا إليه، حيث قال الحداد مَا نصَه «أنني أسألك ايها المبدع الكبير.. لولا هذا الألم الذي اجتاحك عاتياً، هل خرج هذا الفيض الهائل ككراتِ نارٍ من قلب بركانِ محتبس؟ أذن أتمنى لك الألم الذي تمنيته لي يوماً ما… كي نحفل بأبداعك المثابر والثائر على سكون الأشياء».
مَـطَـراً مـن الأعـيـادِ جـئـتِ
وكـنـتُ قـبـلـكِ ـ كـالـعـراقِ ـ يـتـيـمَ عِـيـدْ
حَـدَّقـتِ بـي وسـألـتِـنـي: مـن أيـن أنـتَ؟
فـقـلـتُ: مـن أعـرابِ بـاديـةِ الـسـمـاوةِ مَـسَّـنـي عـشـقٌ
فـغـادرَنـي الـرشـادُ وهـأنـا: الـحـيُّ الـشـهـيـدْ
قـبـري مـعـي يـمـشـي ولا صـحـبٌ سـوى مـوتـي الـمُـؤجَّـلِ
أقـتـفـي أثَـرَ الـمـلاكِ الـسـومـريـةِ فـانـتـهـيـتُ الـى بـلادِ الـغـربـتـيـنِ
وهـأنـا: تـسـعٌ وعـشـرون انـتـهـيـنَ ولـم أجـدنـي فـابـحـثـي عـنـي
صـفـاتـي: نـخـلـةٌ مُـذ غـادرَتْ بـسـتـانـهـا عَـقُـمَ الـنـضـيـدْ
إنـي عـثـرتُ عـلـيـكَ ـ قـلـتِ ـ فـقـمْ مـعـي لِـنُـعـيـدَ لـلـبـسـتـانِ خـضـرتَـهُ
ولِـلـتـنُّـورِ أرغـفـةَ الـمـسـرَّةِ والـسـمـاوةَ لـلـشـريـدْ
عـنـدي عـلاجكَ مـن ضَـيـاعِـكِ فـيـكَ فـادخـلْ آمِـنـاً قـلـبـي
وكـنْ فـي الـعـشـقِ سـادنـيَ الـوحـيـدْ
سـأقـومُ مـن قـبـري لأحـيـا مـن جـديـدْ:
طـفـلاً.. فـتـىً .. شـيـخـاً كـمـا قـيـسُ الـمُـلـوّحُ
لا كـهارون الـرشـيـدْ
هـيَّـأتُ نـاراً لـلـتـصـاويـرِ الـقـديـمـةِ والـرسـائـلِ والـمـنـاديـلِ الـحـريـرِ
ومـعـولاً لـكـؤوس مـائـدتـي
ومـحـرابـاً يـلـوذ بـهِ مـن الأمـسِ الـبـعـيـدْ
مـا سـوف أتـلـو مـا تـيَـسَّـرَ فـي جـلالـكِ مـن قـصـيـدْ
وضـيـاءَ قـنـديـلٍ يُـريـنـي مـا أريـدْ
لا تـسـألـيـنـي عـن رمـاد الأمـسِ قـد أبـدلـتُ ذاكـرتـي
فـخـبـزُ الأمـسِ تِـبـنٌ والـنـمـيـرُ كـمـا الـصـديـدْ
عـدتُ الـجـديـدَ كـمـا الـولـيـدْ
مَـلِـكـاً غـدوتُ
وكـنـتُ آخـرَ مُـسـتـبـاحٍ مـن سـلالاتِ الـعـبـيـدْ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى