في ضوء تفعيل قانون قدسية محافظة كربلاء

محمود الهاشمي
يؤكد علماء نشأة المدن وتكونها ، ان وراء تكوّن المدن عدة أسباب منها قربها من مصادر المياه الصالحة للسقي والشرب ، والوقوع على طريق تجاري ، فيما هناك مدن تتكون وتتسع لسبب ديني حيث قدسية هذا المكان أو ذاك، فتبدأ من تقديم الخدمات للزوار ثم تتحول الى مناطق استراحة فأسواق فمدن عامرة.
الذين يعمدون السكن في هذه المدينة أو تلك يدركون معنى التأسيس ، ويتبيؤون مع واقعها حتى ان قدموا من أماكن أخرى،فيها من العادات والتقاليد والثقافة والملبس ما لا يشبه حاضرة المسكن الجديد .
ان المدن المقدسة تحمل طابعها الثقافي والاجتماعي والديني ، وتعبر عنه وفق هذه المنظومة ، سواء في طريقة البناء والعمران أو في السلوك الاجتماعي والأزياء والثقافة العامة وغيرها ، وعندما نقصد أي مدينة مقدسة سواء كانت تتفق مع عقيدتنا أو لم تتفق لابد ان نراعي طابع اهلها ولا نحاول ان نمس معتقداتهم ولا طريقة حياتهم ، وهي واحدة من القيم الحضارية والأخلاقية العامة لأهل الارض عموما من الواجب ان يتحلوا بها .
أرض النجف لا تصلح للسكن فهي أرض حصباء ، غير صالحة للزراعة ،وقبل ان يدفن فيها جثمان الامام علي «عليه السلام» ليس فيها من سكن ، وشاء الله ان يكون القبر الشريف سببا ان تهوي لها القلوب ، وان تكبر وتتسع وتضم مقبرة هي الاكبر في العالم ،وكذلك محافظة كربلاء المقدسة ، لم تسكن ولم تكن لها هذه المنزلة حتى حدثت بها واقعة ألطف التي استشهد فيها الامام الحسين «ع» وعدد من أهل بيته وأصحابه الغر الميامين ، ليبنى الضريح الشريف وبقية الأضرحة الشريفة وتزار ، وتتحول الى مدينة بشوارعها وأسواقها ومنتزهاتها ، حتى باتت الأكثر مزارا بالعالم سنويا .
هذه المدن ومن أمثالها (المقدسة) حملت إرثها التأريخي والديني ولابد انها كانت احد دعائم المشاعر الدينية والاجتماعية والحضارية للبلد ، والحفاظ على وجودها وتراثها وعادات اهلها جزء مهم من الحفاظ على تراث هذه الامة وتأريخها ، وعندما تحاول اجيال ربما جاءت لاحقا للعيش بها ان تتمرد على قيمها وقدسيتها إنما هو تمرد على قيم وتأريخ هذه الامة بعيدا عن اي نوع من الانحياز أو التزمت ، وعندما تواجه هذه الدعوات ردة فعل قاسية ، فذلك أمر طبيعي وعلى الاخر ان يتقبله .
لاحظ عندما جاءت سفيرة بلجيكا لزيارة مرقد الامام علي «ع» وهي ليست مسلمة ، ارتدت زي المحافظة من حجاب وسواه ، وأدت المراسيم مثلما يؤديها المسلمون مع انها بعد مغادرتها محافظة النجف عادت الى زيها وحياتها الخاصة .
حالات الرقص واحتساء الخمور والغناء في الأماكن العامة التي حاول البعض من أبناء مدينة (كربلاء) القيام بها بدعوى انها (حرية شخصية) .
هذا صحيح ضمن المفهوم العام للحرية لكنها حرية تتقاطع مع حرية الاخرين ومع القيم الدينية والاجتماعية للمحافظة وقدسيتها ، وممارستها لا تصب بصالح المدينة لأنها ستحدث حالة من التشوّه والتجاوز ومخالفة القيم العامة السائدة ثم الضرر بهيبة المدينة وقدسيتها ومن أراد ان يمارس الموبقات خارج المحافظة فليس هنالك من يحاسبه إلا نفسه وما يُؤْمِن به فقط .
أما من الناحية الدينية كمسلمين فنحن نعتقد ان الارض التي تحتضن قبر الامام الحسين وأخيه العباس «عليهما السلام» ومن جوارهم من ابنائهم وأحفادهم وأصحابهم كل ما فيها مقدس ، ومحط إجلال كبير لجميع المسلمين ونأمل ان لا نسمع صوت منبه العجلات ولا حتى أصوات الباعة في اسواقها وشوارعها ومن يزعجه ذلك فأرض الله واسعة وله ان ينتقل حيث يرغب، لذا نقف مع القانون بكل تفاصيله وتداعياته وفِي ذلك حفاظ على تاريخ المدينة وإرثها الديني والحضاري .



