النسخة الرقمية

موقف الإنسان بين الرقيّ والهُويّ

إنّ الإنسان موجود متفكّر مختار فيعمل حسب ما تفكّر فيه واختاره. والقرآن يهتف بأنّ اللّه ﴿..الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ طه:50، فقد أعطى الإنسان قدرة التفكّر والاختيار، ثمّ هداه إلى ما هو كماله ورُقيّه، كما بيّن له ما هو رداه وهُويّه..فالعرفاء يرون كمال الإنسان في معرفة نفسه والسير في منازلها، ومدار بحثهم النظري هو الوحدة الشخصيّة لحقيقة الوجود وإطلاقها وتعيّن مظاهرها، ومدار بحثهم العملي هو الشروع من اليقظة والانتهاء إلى التوحيد والحكماء يرون كمال الإنسان في عقله النظري الّذي به يتأثّر علماً عمّاً فوقه، بأن‏ يبلغ العقل المستفاد، وفي عقله العملي الّذي به يؤثّر عملاً فيما دونه بأن يبلغ بعد التخلية والتجلية والتحلية مقام الفناء وعلماء الأخلاق يرون كمال الإنسان في اتصافه بجنود العقل واتّقائه جنودَ الجهل. ويرون أنّ جنود العقل لا تجتمع إلاّ في نبيّ أو وصيّ نبيّ أو مؤمن قد امتحن اللّه قلبه للإيمان، وأما سائر الناس من موالي الأئمّة فإنّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتّى يستكمل وينقى من جنود الجهل. وإنّما يدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده، وبمجانبة الجهل وجنوده وليس الغرض هنا الميز بين العرفان والحكمة والحديث، بل المقصود هنا بيان بعض المراحل السامية للإنسان وكيفيّة وصوله إليها أو البعد عنها، حتّى يتبيّن في ضوئه ما أفاده الإنسان الكامل الّذي كان يرى نور الوحي والرسالة ويشمّ ريح النبوّة، ذاك مولانا أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، حيث قال: «فليَنظُر ناظِرٌ، أسائر ٌهو أم راجِع؟». ولنيل تلك المرحلة شرائط وآداب لا تتحقّق بدونها، كما أنّها لا تتخلّف عنها، لأنّه تعالى لا يخلف الميعاد ولنشر إلى نبذٍ من تلك الوظائف معرفة الهدف الحقّ، والطريق إليه، وكيفيّة السَّير. إذ ما من حركةٍ إلّا وهي تحتاج إلى المعرفة، ولذا دعا القرآن إليها ببياناتٍ شتّى، كالتفقّه والتعقّل والتفكّر والعلموبيانه حسبما أفاده أمير المؤمنين عليه السلام، بقوله: «..فالنَّاظِرُ بِالقَلبِ العَامِلُ بِالبَصرِ ، يَكُونُ مُبتَدَأُ عَمَلِه أنْ يَعلَمَ أَعَمَلُه علَيه أمْ لَه؛ فإن كانَ لَه مَضَى فِيه وإِنْ كَانَ عَلَيْه وَقَفَ عَنْه، فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، فَلَا يَزِيدُه بُعْدُه عَنِ الطَّرِيقِ الوَاضِحِ إِلَّا بُعْداً مِن حَاجتِه، والعَامِلُ بالعِلمِ كالسَّائرِ على الطرِيقِ الوَاضِحِ، فَلْيَنظرْ نَاظِرٌ أسائِرٌ هو أمْ راجِعٌ»، والحاصل: أنّ بالعلم بالهدف الخيِّر يُعرف معنى النفع والضرّ؛ إذ الخير هو الهدف الحقّ، والنفع ما يفيد في السلوك إليه، والضرّ ما يصدّ عنه، فمبتدأ السلوك معرفة النافع والضارّ حتّى يقدِم أو يقف..والهجرة، وهي هجر الرجز والرجس، برفض كلّ ما يصدّه. ولقد نَدَبَ القرآن إليها في غير موردٍ وجعلها مدار ولاية المؤمنين بعضهم لبعضٍ، فلا ولاية لمَن لم يهاجر، وحكم بأنّ من يخرج من بيته مهاجراً إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه، وكفى بذلك فوزاً، ووعَدَ من هاجر في سبيل اللّه ثمّ قُتل أو مات، رزقاً حسناً. كلّ ذلك ليتحرك نحو الكمال النهائي ويسير إلى الهدف المخلوق لأجله ويتحقّق به..هذا مجمل القول في رُقيّ الإنسان، من المعرفة والهجرة والسرعة والسبق إلى الإمامة، وفي قبال رقيّه رداه، وفي قبال صعوده الهُويّ، لأنّه واقف بين نجدي الأوج والحضيض، وسبيلي الإيمان والكفر. وكما أنّه كان لرقيّه درجات يكون لهويّه دركات:أوّلها: الجهالة المقابلة للعقل لا العلم، إذ العلم بنفسه قد يكون جهلاً «رُبّ عالمٍ قد قتَلَه جهلُه، وعلمُه معه لا يَنفعُه».ثانيها: هجر القرآن: ﴿..يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ الفرقان:30..ثالثها: السرعة في تلك الهجرة الكاذبة بالمَرَح في المال والبنين وأكل التراث أكلاً لمّاً، وحبّ المال حبّاً جمّاً، وتخيّل ذلك سرعةً في الخيرورابعها: السبق الكاذب، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ الأنفال:59..وخامسها: الإمامة الكاذبة، كما في قوله تعالى: ﴿..فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ التوبة:12.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى