ما فحش الكلام ؟
إذا كنتَ لا تحبّ أن يؤاخذك الإمام الصادق عليه السلام، فلا تكن بذيء اللّسان؛ حتّى لا يشملك كلامه عليه السلام لسماعة حين دخل على الإمام عليه السلام، فقال عليه السلام له مبتدئاً: «يا سماعة، ما هذا الذي كان بينك وبين جمّالك؟ إيّاك أن تكون فحّاشاً أو صخّاباً أو لعّاناً، فقلت: والله لقد كان ذلك، إنّه ظلمني، فقال: إن كان ظلمك لقد أربيتَ (زدتَ) عليه. إنّ هذا ليس من فعالي ولا آمر به شيعتي، استغفر ربّك ولا تعد»، قلت: أستغفر الله، ولا أعود…ويبتدئ الإمامُ سماعةَ بالسؤال عمّا بدر منه من كلام فاحش، وينهاه عن ذلك، وإن كان الجمّال قد ظلمه، فإنّه بكلامه الفاحش قد زاد عليه؛ ثمّ يتبرّأ عليه السلام من الكلام الفاحش ومن اللّعن، بل حتّى من الكلام بصوت صاخب ومرتفع، ويدعوه إلى الاستغفار وعدم العود إلى مثل ذلك أبداً؛ إذ المؤمن يصون لسانه عن كلّ قبيح ودنيء..وعن تلك الخصلة ومساوئها، ندعُكم -قرّاءنا الأعزّاء- مع تلك الكلمات..الفُحْش والفَحْشاءُ والفاحِشةُ القبيحُ من القول والفعل، وجمعها الفَواحِشُ. وهو كلّ ما يَشتدّ قُبْحُه من الذنوب والمعاصي. وكلُّ خَصْلة قبيحةٍ فهي فاحشةٌ من الأَقوال والأَفعال..فالفحش -إذاً- هو كلّ قول أو فعل يستقبحه الناس، وإن لم يستقبحه قائله. «ولا ريب في كونه صادراً عن خباثة النفس»..إنّ من حقّ اللّسان على صاحبه أن ينزّهه عن الكلام الفاحش والبذيء، وأن ينطق به بالخير، لا بل ويعوّده على قول كلّ ما فيه خير ومصلحة وغبطة ومحبّة ومسرّة للآخرين، بإدخال السرور عليهم ونصحهم وتعليمهم… كما ورد على لسان الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: «وحقّ اللّسان: إكرامُه عن الخنا (الفحش في الكلام)، وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة لها، والبرّ بالناس، وحسن القول فيهم»وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ «أفضل الإيمان أنْ (…) تُعمل لسانك في ذكر الله عزّ و جلّ (…)، وأن تقول خيراً أو تصمت».
كم من صداقةٍ انتهت بكلمة! وكم من حبل مودّةٍ قطعه قولٌ! والشواهد أمامنا كثيرة. فاستمع -أيّها العزيز- لقول الإمام زين العابدين عليه السلام: «احفظ عليك لسانك، تملك به إخوانك»، واتّعظ بما نقله عمرو بن نعمان الجعفي؛ إذ يقول: كان لأبي عبد الله عليه السلام صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكاناً، فبينما هو يمشي معه في الحذّائين (سوق صناعة الأحذية)، ومعه غلام له سِنديّ يمشي خلفهما، إذ التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرّات فلم يرَه، فلمّا نظر في الرابعة قال: يابن الفاعلة، أين كنت؟ قال: فرفع أبو عبد الله عليه السلام يده فصكّ بها جبهة نفسه، ثمّ قال: «سبحان الله، تقذف أمّه، قد كنت أرى أنّ لك ورعاً، فإذا ليس لك ورع»، فقال: جعلت فداك إنّ أمّه سِنديّة مشركة، فقال: «أما علمت أنّ لكلّ أمّةٍ نكاحاً، تنحَّ عنّي»، قال: فما رأيته يمشي معه حتّى فرّق الموت بينهما.
وعندما يشتمك شخصٌ، الزم الصبر، واكظم غيظك، واصفح الصفح الجميل، ولا تطفئ النار بالنار، وردّ الإساءة بالحسنة. وهذا ديدن أئمّتنا عليهم السلام، فإنّهم كانوا يحلمون بمن يسيء لهم؛ فهذا إمامنا الباقر يقول له نصرانيّ: أنت بقر؟ قال: أنا باقر، قال: أنت ابن الطباخة؟ قال: ذاك حرفتها، قال: أنت ابن السوداء الزنجيّة البذيّة، قال: إنْ كنتَ صدقتَ غفر الله لها، وإنْ كنت كذبتَ غفر الله لك». قال: فأسلم النصرانيّ؛ لِما رأى من خُلُق الإمام الرفيع وعدم انفعاله، وحسن جوابه، على الرغم من استفزازه بالأسئلة المقزّزة، وجواب الإمام عليه السلام عنها بردٍّ جميل.



