التكافل الإجتماعي في مدرسة أهل البيت «عليهم السلام»
الإسلام دين اجتماعي تتمثّل فيه مبادئ الرحمة والعطف، لا يريد ان يترك هذه الشريحة الكبيرة من المجتمع فريسة الفقر والحاجة، والكلام عن شريحة الأيتام. لذلك كانت هذه الفئة بمثابة القطب من الرحى في توجهاته التكافلية، فهناك الآيات القرآنية الكثيرة التي تحث على الاهتمام بالأيتام، وتدعو إلى تأمين مستلزمات العيش الشريف لهم، منها قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ…)، وقوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ )،وقوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)وقوله: (كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ)..فهنا نجد دعوة صريحة للتكافل الأدبي معهم، ولوماً وتقريعاً لكل من يقصّر في ذلك..وهناك طائفة من الآيات تدعو إلى التكافل المادي الصريح مع الأيتام، منها: قوله تعالى: (…وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ)،وقوله: (…وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ)وقوله: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا)، وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)..وكان الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله يوقظ في نفوس الناس العاطفة الدينية تجاه الأيتام، ويُكثر من التوصية بهم، ويدعو إلى كفالتهم، قال صلىاللهعليهوآله: «أنا وكافل اليتيم في الجنّة كهاتين»وعنه صلىاللهعليهوآله: «من عال يتيما حتى يستغني عنه، أوجب الله عزّ و جل له بذلك الجنّة، كما أوجب الله لآكل مال اليتيم النار»ولم تقتصر تعاليم الرَّسول الاجتماعية على تأمين التكافل المادي للأيتام فحسب، بل كان يولي التكافل الأدبي المزيد من العناية والأهمية، قال صلىاللهعليهوآله موصياً: «كن لليتيم كالأب الرَّحيم، واعلم أنّك [ كما] تزرع كذلك تحصد»..وهذه التوجهات الحضارية أشاعت أجواء الطمأنينة في نفوس الأيتام وخلقت الاستقرار الاجتماعي على الرغم من الاضطراب السياسي الذي خيم على المجتمع الإسلامي آنذاك..وإذا ما أضفنا إلى كل هذا مساعي مدرسة أهل البيت: الخيرة التي ساهمت بنصيب وافر في تشجيع أعمال الخير، فكانت كالواحة الوارفة الظلال في مجال التكافل وخاصة مع الأيتام في المقام الأول. فكان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي بهم حتى قبل موته بقليل، فقد تضمنت وصيته الأخيرة قوله عليه السلام: «الله اللّه في الأيتام، فلا تغبّوا أفواهم، ولا يضيعوا بحضرتكم، فقد سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله: من عال يتيماً حتى يستغني أوجب الله عزّ و جل له بذلك الجنة»، وعنه عليه السلام: «ما من مؤمن ولا مؤمنة يضع يده على رأس يتيم ترحّماً له إلاّ كتب الله له بكلّ شعرة مرّت يده عليها حسنة»وعن أبي الطفيل، أنّه قال: «رأيت علياً عليه السلام يدعو اليتامى فيطعمهم العسل حتى قال بعض أصحابه: لوددت أني كنت يتيماً»..وأما الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام وكلاهما يضيء من مشكاة واحدة، فيحثان على تكفل أيتام آل محمّد صلىاللهعليهوآله بعد أن اتبع معهم الطغاة سياسة (السيف والنطع) فقتلوهم تحت كل حجر ومدر، فمن الطبيعي والحال هذه أن يكثر أيتامهم، ويكونوا ضحايا نظام اجتماعي جائر لا يكترث بهم، فيفترشوا الأرض ويلتحفوا السماء. فأراد أئمة أهل البيت: أن يرتقوا بشيعتهم إلى مستوى التحدي الاجتماعي، لاسيما وأنهم يرزحون تحت وطأة ظلم صارخ عبر التاريخ. ومن الشواهد على تأجيج الأئمة: للعواطف النبيلة لكفالة أيتام آل محمّد صلىاللهعليهوآله ما قاله الإمام الحسن عليه السلام: «فضل كافل يتيم آل محمّد المنقطع عن مواليه الناشب في رتبة الجهل ـ يخرجه من جهله، ويوضح له ما اشتبه عليه ـ على فضل كافل يتيم يطعمه ويسقيه، كفضل الشمس على السهى»..أما الإمام الحسين عليه السلام فيقول في هذا الصدد: «من كفل لنا يتيما قطعته عنّا محبّتنا باستتارنا، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتّى أرشده وهداه، فمثل هذه النصائح والتوجهات تفسح المجال واسعاً أمام الاهتمام بالأيتام، وتهيّء الأجواء لبناء وتدعيم علاقات تكافلية معهم، وإلاّ تحولت حياتهم إلى صحراء مجدبة. ففي غياب منهج التكافل تتشكل ظاهرة التسوّل والتشرّد وبالتالي تنمو جذور الجريمة فيما بينهم ويقعون في هاوية الفساد.



