من موانع تهذيب النفس.. التهاون في الأحكام الشرعية
المراد بـ«التهاون في الأحكام الشرعية» هو عدم الوقوف عند حدود الله تعالى التي حدّدها، سواءً أكان بالأخذ بالأقلّ، أم الأكثر و أوضح مظاهر التهاون بالأحكام الشرعية، الفصل بينها وبين تهذيب النفس، بمعنى أنّ مَن يدرسها و«يتفقّه» في الدين، إذا تنبّه إلى أهمية النفس، يبدأ بالبحث عن درس الأخلاق، وعن «الأستاذ»، وعن النصائح والمواعظ، وعن البرنامج العملي، والأوراد والأذكار، في غفلة مطبقة عن أنّ كلّ ما يبحث عنه يتحقّق، بأجلى صوره، إذا رفع مستوى التزامه بالأحكام الشرعية..أمّا مَن لا يدرس الأحكام، ويتنبّه إلى عظيم منزلة التحلّي بمكارم الأخلاق؛ فإنّ أمره في الإعراض عن الأحكام الشرعية أوضح، وإنْ كان الأوّل أشدّ غرابة، وربما خطورة…وبالتالي، فإنّ جميع الأحكام الشرعية التي جاء بها الأنبياء تصبّ في هدف بناء الشخصية الاجتماعية الموحّدة المتحلية بالأخلاق الفاضلة. وفي هذا السياق تشكّل الأحكام الشرعية التي جاء بها رسول الله محمّد صلّى الله عليه وآله، الوسيلة الأفضل لبناء هذه الشخصية المتحلّية بأفضل مراتب الأخلاق التي يمكن أن تبلغها البشرية وهذا يعني بوضوح استحالة الوصول إلى مكارم الأخلاق المحمّدية إلّا من خلال الالتزام الجاد والواعي بتطبيق الأحكام في كلّ صغيرة وكبيرة، وأنّ الفصل بينهما هو في بعض أبعاده فصلٌ بين الوسيلة والهدف.
فدقة الالتزام بالحكم الشرعيّ» هو عنوان المعركة حامية الوطيس التي خاضها فقهاء مدرسة أهل البيت، وما يزالون، ضد التصوّف والعرفان بصورهما المذمومة التي كانت، وما تزال، منشأ أخطار كبيرة..وبالتأمّل في القرآن الكريم، تتّضح المكانة التي أولاها الله تعالى للأحكام الشرعية، فهي حدود الله تعالى، وهو تعبيرٌ بالغ الدلالة.قال سبحانه: ﴿..تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. [البقرة:229] [انظر أيضاً: البقرة:187؛ النساء:13-14؛ الطلاق:1]وحول تعريف «الحدّ».. ورد في (تفسير التبيان:2/247) للشيخ الطوسي: «وأصلُ الباب المنْع. والحدّ: نهايةُ الشيء التي تمنع أن يدخلَه ما ليس منه، وأن يخرج عنه ما هو منه»وكما لا يجوز الاهتمام بالأخلاق والتهاون في الأحكام، لا يجوز العكس، أي الاهتمام بالأحكام وإهمال الأخلاق وتهذيب النفس..ويقول المقدّس الشيخ حسين قلي الهمداني: «لا يخفى على الأخوة في الدين أنّه لا طريق إلى القُرب من حضرة ملك الملوك جلّ جلاله غير الالتزام بالشرع الشريف في جميع الحركات، والسكَنات، والتكلّمات، واللّحظات، وغيرهاوالسيرُ بالخرافات الذوقية… كما هو دأب الجهّال والصوفية، خذلهم الله جلّ جلاله، لا يُوجب إلّا بعداً، حتى أنّ الشخص إذا التزم بعدم حفّ الشارب… فإنّ عليه أن يفهم، إذا كان مؤمناً بعصمة الأئمّة الأطهار صلوات الله عليهم، أنّه سيبتعد عن حضرة الأحدية. وهكذا في كيفية الذّكر بغير ما ورد عن السادات المعصومين عليهم السلام..وبناءً على هذا يجب أن يقدّم الشرع الشريف ويهتمّ بكلّ ما جاء الاهتمام به فيه. وما استفدته -أنا الضعيف- من العقل والنقل هو أنّ أهم الأشياء لطالب القُرب الجِدّ والسعي التام في ترك المعصية..وما لم تؤَدَّ هذه الخدمة فلا ذِكرُك ينفع حال قلبك بأيّ نفع، ولا فِكرك، ذلك… وإذا تحقّق عندك أنّ ترك المعصية أول الدين وآخره، ظاهره وباطنه، فبادر إلى المجاهدة..»..فالتعامل مع الأحكام الشرعية، من منطلق أنها البرنامج العبادي الوحيد الذي يُمكّن من الوصول إلى تهذيب النفس والتحلّي بمكارم الأخلاق المحمّدية، بمعنى أن كلّ برنامج عبادي لا ينطلق منها ولا يهتدي بهُداها فليس من الإسلام بشيء، ويتلخّص هذا البرنامج العبادي الربّاني بكلمتين: «تركُ المعاصي»..ويضاف إلى ذلك أصلٌ أصيل، هو أنّ بناء التديّن على أساس حبّ الله تعالى، يتلازم مع حبّ ما يحبّه، وإن لم يكن واجباً. وكراهية ما يكرهه، وإن لم يكن حراماً..وإنّ نظرة في سيرة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأهل البيت عليهم السلام، وأصحابهم الأبرار، والعلماء بالله تعالى، من فقهاء الإسلام، تكشف عميق حضور الأحكام الشرعية كلّها في حياتهم، الأمر الذي يُلزمنا بتطبيق أنفسنا مع ما كانوا عليه.



