«القمّة الغُمة» برئاسة السعودية ومرافقة دول «تُبّع»

عبد الهادي الضيغمي
اختلفت التوقعات من القمة التي دعت اليها الرياض، ليكون الاجتماع التاسع والثلاثين لزعماء (مجلس التعاون) للدول العربية المطلة على الخليج الفارسي، في ظل الأجواء المشحونة في الدول الأعضاء، والتي باتت مستاءة من الأزمات المفتعلة إقليميا قبل غيرها، حتى أوصلها الى حالة انشطار المجلس الى شطرين، ويبقى مهزوزا تغدو وتروح به العواصف ورياح التغيير، التي تجري بما لا تشتهي سفن الزعماء التقليديين. وازدادت المخاوف من القمة، حتى وصفها بعض نشطاء مواقع التواصل الإجتماعي بـ (الغُمة) المخيمة على دول المجلس والتي باتت تهدد اجتماعه بالفشل برغم صدور دعوة بخط الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز، لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد لحضور القمة، بعد مقاطعته وفرض حصار جائر على بلاده بأمر من السعودية نفسها قبل نحو ثمانية عشر شهرا. فالسعودية التي حاولت التعتيم على المشاكل التي افتعلتها مع دولة قطر بادرت لإطلاق سراح المواطن القطري أحمد خالد مقبل، الذي اعتقلته إبان اندلاع الأزمة مع قطر، قبل يومين من انعقاد القمة، لتشكل هذه الخطوة الى جانب خطوة توجيه الدعوة الرسمية من قبل الملك السعودي نفسه، ركيزتين أساسيتين لاجتياز الحقبة العصيبة مع دولة قطر على الظاهر. لكن غياب الأمير القطري والاكتفاء بتمثيل بلاده بوزير دولة للشؤون الخارجية، أحبط المحاولات السعودية الصورية، الأمر الذي أبقى الباب مفتوحا أمام التصعيد السعودي القطري، بل بين كل الدول الأعضاء في (مجلس التعاون) المتهالك أساسا. وهنا لا نريد التطرق الى ما دار من حديث شجون بين الزعماء المتهالكين على البقاء في السلطة داخل اجتماع القمة التاسعة والثلاثين، لأن تاريخ المجلس كفيل بالإفصاح عما قدمه المجلس من خدمات للدول الاعضاء فيه أو للمنطقة برمتها .. وما نريد الإشارة اليه هو عمق الوقاحة التي بلغها مدونو البيان الختامي الذي أتسع لأثنين وسبعين بندا، دون التطرق بحرف واحد الى الأسباب الحقيقية للكوارث التي تعصف ببلدان المنطقة وحتى الدول الأعضاء في المجلس، وعلى رأسها الكوارث المتتالية التي تتوالى على اليمن وشعبه بسبب عدوان التحالف الذي تقوده السعودية على اليمن، والحصار الذي تسببته السعودية أيضا على دولة قطر قبل أكثر من سبعة عشر شهرا. بل راح البيان يؤكد ضرورة تشكيل قيادة عسكرية خليجية موحدة لتنفذ القرارات المتخذة لمواجهة التهديدات المحتملة دون تسميتها، أو ذكر الجهة التي قد تهدد هذا التحالف الجديد الذي تكون أمريكا أهم أطرافه المتحالفة، وإيران الوجهة الرئيسة المستهدفة له .. ولا ندري هنا عن أية دولة يتحدثون، عن تلك التي استقال مجبرا رئيسها بعد حبسه في السعودية، حتى أوكل الأمر مؤقتا الى نائبه عبد ربه منصور هادي، والذي استقال بدوره من منصبه بسبب الضغوط المتواصلة عليه من السعودية، وبات مستقيلا في اليمن حتى تم تهريبه خلسة الى اليمن بعد شهر من استقالته، أم عن تلك الدولة اليمنية التي اتفقت على تأسيسها مختلف التيارات والمكونات الشعبية في صنعاء وراحت تقصفها السعودية على مدى اربع سنوات الماضية. على أية حال انتهت (القمة الغُمة) وظلت مواقفها المشبوهة تطرح أكثر من تساؤل على الطاولة، فعلى سبيل المثال أنتقد وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة، غياب الامير القطري عن القمة التي أسماها في تغريدة له على تويتر بـ (قمة الخير والموقف الواحد) دون أن يشير الى الكوارث التي تسببتها القمم السابقة لبلاده واليمن وقطر. ما حمل مدير المكتب الإعلامي بالخارجية القطرية احمد الرميحي ليرد عليه عبر صفحته على تويتر بالقول: قطر تملك قرارها وحضرت قمة الكويت في حين غاب حكام دول الحصار عن الحضور، وقطر لا تحتاج الى نصائح من دول تبع. وانتقد المسؤول القطري، البيان الختامي لقمة الرياض، بسبب عدم مناقشة المجتمعين، لحيثيات الأزمة الخليجية وسبل معالجتها. وكتب في (تويتر): ما سبب عدم مناقشة القمة للأزمة الخليجية ؟ وما هذا البيان الختامي الذي لم يناقش حصار قطر وسبل معالجته ؟. وأضاف على من تضحكون ؟ كفاكم هذا التسطيح والقفز على المشكلات الحقيقية التي يعاني منها – مجلس التعاون. كما استخف الرميحي بالمؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، بعيد انتهاء أعمال القمة و وصفه بالهزيل، مضيفا انه حاول تمرير ما عجز عن تمريره بالبيان الختامي للقمة في ذلك المؤتمر، وانتقد الشروط التي تحاول السعودية فرضها على دولة قطر للعودة الى مجلس التعاون. وكان الجبير قال في مؤتمره الصحفي: إن الأشقاء في قطر يعلمون ما هو مطلوب منهم للعودة كعضو فعال في مجلس التعاون الخليجي. ويرى المراقبون أن قمة الرياض الأخيرة وما أعقبها من تصريحات باتت أشبه بساحات سجال ونزاع يشبه حوار الطرشان، بلغت أفضل أحوالها عندما ألقى أمير دولة الكويت الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح، كلمته التي أتسمت بشيء من العقلانية حيث قال فيها: إن وقف الحملات الإعلامية التي زرعت بذور الفتنة والشقاق في صفوف أبنائنا، سيكون مقدمة لتهيئة الأجواء لحل الخلاف بيننا. داعيا الأطراف المزايدة على عروبة الآخرين، بالعودة الى العقلانية وإتباع طريقة احترام مبادئ حسن الجوار والتعامل فيما بين الدول المجاورة بالمودة خاصة الدول المؤثرة منها إقليميا ودوليا كإيران الاسلامية، الأمر الذي أزعج بعض المشاركين في القمة التاسعة والثلاثين. ويبقى المراقبون بانتظار التطورات التي تحيق بالدول الأعضاء في مجلس التعاون حتى موعد انعقاد القمة الأربعين المزمع عقدها العام القادم في الامارات. وهل تتمكن دول الحصار من فرض شروطها على دولة قطر لتعيدها الى بيت الطاعة السعودي الأمريكي ؟ أم أن قطر تبقى محتفظة بقرارها القائل بضرورة احترام السيادة القطرية ورفض الوصاية على القرار الوطني القطري ؟.



