أهم أسباب تمدد بعض عمليات الاغتيال السياسي وانحسار البعض الآخر
احمد العبادي
ترى ما الذي جعل من مقتل (جمال خاشقجي) داخل القنصلية السعودية في اسطنبول بتاريخ 2/10/2018 حدثا يؤرق الرأي العام فيملئ الدنيا ويشغل الناس فتختلف حول تفاصيله وملابساته اراء المحللين والكتاب والإعلاميين لتصطف بعد ذلك حكومات وأنظمة للمطالبة بالكشف السريع والمباشر عن الجناة الحقيقيين ومن اعطى لهم الاوامر بالقتل وهو ما أكد عليه الرئيس التركي مؤخرا وهو يوجه كلامه للحكومة السعودية . هناك سؤال يتردد اليوم بين شرائح واسعة من الجمهور مفاده ان هناك العديد من الجرائم وعمليات الاغتيال التي قامت بها السلطات السعودية ضد ناشطين ومفكرين ومعارضين إلا انها لم تأخذ عشر معشار ما تفردت به عملية تصفية الكاتب في جريدة الواشنطن بوست (جمال خاشقجي) والواقع ان عمليات تصفية المعارضين ليس حكرا على النظام السعودي فحسب بل هي ظاهرة امتدت على امتداد عمر الانظمة العربية والإسلامية منذ زمن بعيد إلا ما شذ وندر فالنظام العراقي البائد كانت له اليد الطولى في ملف الاغتيالات السياسية وهو يوظف سفارات بلاده للإيقاع بمعارضيه فقد كانت سفارات العراق انذاك عبارة عن اوكار لعناصر المخابرات ورجال الامن الذين تحددت وظيفتهم الاساسية في تتبع ملفات معارضي النظام ومن ثم تصفيتهم بشتى الطرق والوسائل ولعل من المفيد ان نذكر هنا حادثة من مئات الحوادث التي تشبه الى حد كبير جدا حادثة تصفية (جمال خاشقجي) . فقد انشق احد ضباط المخابرات العراقيين عام 1984 عن الجهاز المذكور وهو النقيب (ماجد عبدالكريم حسين) واستطاع ان يهرب الى خارج العراق حتى اذا ما وصل الى دولة السويد طلب اللجوء السياسي واستقر في العاصمة (ستولكهوم) وهناك أخذ يفضح ممارسات النظام الصدامي البائد اللانسانية واللاخلاقية فما كان من رجالات جهاز المخابرات العراقي إلا ان تحركوا نحوه عن طريق امرأة عراقية كانت تعمل ضمن الجهاز وهي (جميلة شافي) والتي استطاعت ان تقيم علاقة غرامية مع (ماجد) حتى اذا دخلت شقته تبعها رجال المخابرات لتتم تصفيته وتقطيع جسده ثم وضعه داخل عشرات أكياس البلاستيك التي طمرت داخل غابات العاصمة السويدية. ويذكر القاضي (زهير كاظم) خلال برنامج شهادات خاصة الاغتيالات التي نفذتها المخابرات العراقية الذي يقدمه الدكتور (عبدالحميد عبدالله) ان القاتل كان الملحق الثقافي في السفارة العراقية وهو (علي موفق حسين) أما سفير العراق انذاك فكان (محمد سعيد الصحاف) مثل هكذا حوادث كانت تقع كثيرا في العراق والسعودية وغيرها من البلدان ذات الانظمة الشمولية إلا انها كانت تحدث بالخفاء المطبق بسبب تلك التدابير الامنية الصارمة والتعتيم المشدد وبذل الاموال فضلا عن تعاطف المجتمع الدولي مع هذه الدولة أو تلك كما هو الحال مع النظام البائد في العراق بالأمس والتعاطف مع النظام السعودي هذه الايام اضف الى ذلك اننا اليوم نشهد تقدما ملفتا في تكنولوجيا المعلومات وسهوله تبادلها ووصولها للمتلقي صوتا وصورة وهو ما لم يكن متوفرا ابان العقود الماضية ولو كان ذلك متوفرا لكنا قد سمعنا ورأينا المئات من العمليات التي تشابه عملية تصفية (خاشقجي) الى حد كبير جدا. يمكن القول ان هناك عدة أسباب وعوامل تقف وراء تمدد بعض الجرائم السياسية التي تقترفها الأنظمة الشمولية والدكتاتورية بينما تنحسر جرائم سياسية أخرى وتتلاشى من المشهد العام ولعل أبرز تلك العوامل هو ما يلي: شخصية المجني عليه وما تمثله من ثقل في الساحة الدينية أو السياسية والاجتماعية والثقافية . توفر عنصر المأساة اي تحقق أكبر قدر من القسوة اثناء عمليات القتل والاستهداف . وجود نظام سياسي يأخذ على عاتقه الترويج لفداحة ما وقع على الضحية من ظلم وحيف عبر اجهزته الاعلامية المركزة والفاعلة . ايجاد رأي عام موحد يعمل على احتضان ملف الضحية لأغراض وغايات سياسية في الأعم الأغلب منها .



