اراءالنسخة الرقمية

المحلل السياسي .. نحو الأنموذج

إن شيوع ظاهرة «المحللين السياسيين» الذين تستعين بهم القنوات الفضائية والإذاعات والصحف بات يسترعي الانتباه في عراق اليوم خاصة أولئك الذين ينتحلون صفة «باحث في الشأن السياسي» من دون أن يكونوا قد حصلوا على شهادة أكاديمية في هذا التخصص، وهذه الظاهرة المهمة لا بد من تسليط الضوء على حيثياتها وإشباعها بحثاً ونقدا ليتبين ما إذا كان التحليل السياسي في العراق سائراً باتجاه الموضوعية ومعيار استهداف الحقيقة لا غيرها أم لا..ومن الملاحظ في هذا الصدد أن هناك تأثراً من قبل الكثير من المحللين ــ عن قصد أو دونه ــ بأدبيات النظام المقبور ومفاقسه التي كانت تفرخ أبواقاً تنطلق عبر سائر أجزاء ماكنته الاعلامية .. وأيضاً هناك ضعف واضح في قدرة الكثير من المحللين على وصف الظواهر والسلوكيات السياسية وطرح مركب نظري يتضمن شرحاً متماسكاً لأسبابها الموضوعية وتداعياتها المحتملة، الأمر الذي ينعكس أيضاً على سلامة أداء اللغوي..وبالمقابل نجد البعض من المحللين وعندما يدلون بدلائهم لاستخراج أكبر كم من الأفكار التحليلية من بئر الحدث موضوع المناقشة، نجدهم يحاولون التغطية على عدم موضوعية تحليلاتهم التي تكون في أحيان كثيرة مؤدلجة أو قصيرة النظر بإظهار ما في جعبتهم من مهارات التلاعب بالألفاظ والمناورة الى حد لبس جلد حرباء سريع التغير في لونه، وذلك تماشياً مع ما يفهمونه من طبيعة الأيديولوجيات التي يحملها ممولو الوسيلة الإعلامية المضيفة لهم والمشاريع السياسية التي يزمعون تنفيذها، متجاوزين الوصف ذا المعايير الأكاديمية إلى آخرَ محابٍ وملفق، ما يشجع بدوره الوسائل الإعلامية هذه وبسخاء على إسباغ صفات وألقاب تخصصية كبيرة على ضيوفها المتقولين من قبيل «الباحث الإستراتيجي» ، «الخبير الامني»، «الخبير الاقتصادي» ، «الخبير القانوني» وهلم جرا !!! وما تقدم من استعراض لبعض السلوكيات السلبية لمن يطرحون أنفسهم كمحللين سياسيين يحتم علينا استقصاء طرق المعالجة لمشاكل هذا الحقل المعرفي التثقيفي الإعلامي (التحليل السياسي للأحداث والظواهر السياسية والاقتصادية .. إلخ)، ومن هذه الطرق توجيه الدعوة لشريحة المحللين السياسيين الى التحلي أولاً وقبل كل شيء بخلق الأمانة والصدق على الصعيد الشخصي وثانياً التزوّد بالمعرفة السياسية الضرورية وما تنطوي عليه من موازين علمية رصينة ليتمكنوا من إنتاج مادة تحليلية موضوعية تستند إلى ركن شديد من المصادر الأساسية للحدث للابتعاد قدر الإمكان عن الخطأ وبالتالي يحصل المتلقي على وعي سياسي سليم..وبعبارة أخرى يجب أن تتوافر في المحلل السياسي معايير الإحاطة المعرفية الى حد التخصص وملكات الدقة وبعد النظر والتجرد والموضوعية والقدرة على الإقناع الهادئ للمتلقي بأساليب بيانية حضارية جميلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى