اخر الأخباراوراق المراقب

استراتيجية الإمام الحسن (ع) في حماية مشروع النهضة الحسينية

صباح الصافي..

تُعدُّ العلاقة بين مُهادنة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام) من أكثر القضايا أهميَّة في دراسة تأريخ أهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنَّ كثيرًا من القراءات التَّأريخيَّة تناولت الحدثينِ بوصفهما موقفينِ منفصلينِ، أو باعتبارهما استجابتينِ مختلفتينِ لظروف سياسيَّة متباينة، في حين أنَّ التَّأمُّل في مجريات الأحداث يكشف عن وحدة المشروع والغاية، وأنَّ كلا الإمامينِ (عليهما السلام) كان يتحرَّك ضمن رؤية رساليَّة واحدة تستهدف حفظ الإسلام، وصيانة الأمَّة من الانحراف.

 وتكمُنُ أهميَّة هذه الدِّراسة في أنَّها تسلِّط الضَّوء على البعد الاستراتيجي في سيرة الإمام الحسن الزكي (عليه السلام)، وتقدِّم قراءة تربط بين المهادنة وعاشوراء ضمن إطار مشروع واحد، بدأ بحماية القيادة الرِّساليَّة، وانتهى بصناعة أعظم حدث إصلاحي في وجدان الأمَّة الإسلاميَّة.

حفظ الإمام الحسين (عليه السلام)

 عند دراسة الأحداث المفصليَّة في تأريخ أهل البيت (عليهم السلام)، لا يمكن النَّظر إلى مهادنة الإمام الحسن (عليه السلام) ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفهما حدثينِ منفصلينِ أو موقفينِ متعارضينِ، فالقراءة التَّحليليَّة تكشف عن وحدة المشروع ووحدة الهدف. فالإمامانِ الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا يمثِّلان امتدادًا واحدًا لخط الإمامة، وكان كلٌّ منهما يؤدِّي الدَّور الذي كُلِّف به وتفرضه المرحلة من أجل حفظ الدِّين، وصيانة الرِّسالة، واستمرار خط النُّبوة.

 وقد عبَّر الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) عن هذه الحقيقة بحديثه المشهور: “الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ إِمامانِ قاما أَوْ قَعَدا”، وهو نصٌّ يؤسِّس لفهمٍ دقيقٍ لطبيعة المواقف التي صدرت عن الإمامينِ (عليهما السلام)؛ إذ إنَّ قيام أحدهما أو مهادنة الآخر لا يغيِّر من حقيقة الإمامة، ولا من مشروعيَّة الموقف المتَّخذ؛ لأنَّ المعيار تحقيقهما المصلحة العليا للإسلام، وحفظهما الهدف الإلهي.

 ومن هنا فإنَّ الهدنة أو الصُّلح الذي أبرمه الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية لا يصح تفسيره بوصفه تراجعًا عن مواجهة الباطل، كما لا يمكن تصوير نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) على أنَّها خروج على منهجه. وكلا الموقفينِ كانا حلقتينِ متكاملتينِ ضمن خطَّة إلهيَّة واحدة استهدفت حماية الرِّسالة الإسلاميَّة من التَّحريف والانحراف.

الأخطار التي كانت تهدد الإمام الحسين (عليه السلام)

 إنَّ فهم الدَّور الذي أدَّاه الإمام الحسن (عليه السلام) في حفظ الإمام الحسين (عليه السلام) يقتضي الوقوف عند طبيعة البيئة السِّياسيَّة التي كانت تحيط بالإمام الحسين (عليه السلام) خلال عهد معاوية بن أبي سفيان؛ إذ كانت مرحلة اتَّسمت بترسيخ الحكم الأموي، وإحكام السَّيطرة على المجتمع الإسلامي عبر منظومة واسعة من القمع والإقصاء والملاحقة المنظمة لكلِّ من يُحتمل أن يشكِّل تهديدًا لمشروعيَّة السُّلطة أو يكشف انحرافاتها.

 لقد أدرك معاوية أنَّ أكبر عقبة أمام مشروعه السِّياسي تتمثَّل في الامتداد الرِّسالي الذي يمثِّله أهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنَّ وجودهم كان يحفظ في وجدان الأمَّة النُّموذج الإسلامي الأصيل الذي يقف مقابل النُّموذج الأموي القائم على توظيف الدِّين لخدمة السُّلطة. ولذلك اتَّجه إلى إعادة تشكيل الوعي العام وإضعاف القوى المُوالية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، مستخدمًا في ذلك وسائل متعدِّدة شملت التَّرهيب، والإغراء المالي، والتَّضييق السِّياسي، والتَّصفية الجسديَّة.

 إبعاد الإمام الحسين (عليه السلام) عن دائرة الظُّهور السِّياسي والإعلامي

 من أبرز الوسائل الاحترازيَّة التي يمكن ملاحظتها عند دراسة سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) بعد المهادنة، اعتماده نمطًا خاصًّا في إدارة الحضور العلني لأهل البيت (عليهم السلام)، وهو نمط يكشف عن رؤية بعيدة المدى تتجاوز معالجة الظُّروف الآنية إلى حماية المستقبل الرِّسالي للأمَّة. ومن خلال تتبع الأحداث التَّأريخيَّة يظهر أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان يتصدر المشهد السِّياسي والإعلامي والخطابي بصورة واضحة، في حين كان حضور الإمام الحسين (عليه السلام) أقل ظهورًا في هذا الجانب، على الرَّغم من مكانته العلميَّة المعروفة لدى المسلمين.

 إنَّ المتأمِّل في المصادر التَّأريخيَّة يجد أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان كثير الظُّهور في المناسبات العامَّة، وكثير الاحتجاج على السُّلطة الأمويَّة، وكثير المشاركة في الحوارات والمناظرات والمواقف التي تستدعي المواجهة الفكريَّة والسِّياسيَّة. فقد كان المرجع الأوَّل الذي تتجه إليه الأنظار، والشَّخصيَّة التي تتحمل العبء الأكبر في الدِّفاع العلني عن خط أهل البيت (عليهم السلام)؛ الأمر الذي جعله في واجهة الاستهداف الإعلامي والسِّياسي من قبل الدَّولة الأمويَّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى