النسخة الرقميةثقافية

قوة الموت

حسن السلمان

ثلاثة أشهر مرت على مقتله في الحرب الأخيرة عندما انتبهت إلى ذلك الشعور الغريب الذي تسرب اليها من صورته المعلقة على الجدار. صورة يعلو زاويتها اليمنى شريط أسود، يظهر فيها الميت بعينين عميقتين، وأنف دقيق، وشارب مشذب، ولحية خفيفة, وشعر مجعد يميل إلى اللون الناري. شعرت وهي تدقق في عينيه بشيء يجذبها إليه بقوة كما يجذب مغناطيس هائل كومة مسامير صغيرة. شعرت بخوائها وضعفها وهي تتأمل أنفه الدقيق، وجبهته التي حفرتها ثلاثة أخاديد. لم يكن حينما كان على قيد الحياة بهذا الحضور الآسر، ولم تكن تعرف سر هذه القوة الطاغية التي تفيض من ملامحه وهو مجرد صورة. بدا غامضاً، ذا مهابةٍ وسطوة جعلتها ترتبك ويهتز كيانها إلى درجة أنها راح تفكر بإنزال الصورة وإخفائها، إلا أن القوة المنبعثة من الصورة على هيئة شعاع لا مرئي، جعلتها عاجزة حتى من مجرد التفكير بهذا الشيء. وبدلاً من هذه الفكرة الخائبة، اشتعلت في نفسها رغبة عارمة أن تمتلك مثل هذه القوة والكريزما الهائلة التي يتحلى بها زوجها القتيل.
سيطر عليها هذا الشعور سيطرة كاملة، وجعل تفكيرها مشلولاً إلا من الرغبة المحمومة الجارفة أن تكون على قدر من الجاذبية وقوة الحضور كما أصبح زوجها.
ذات مساء. جلست أمام المرآة وتزينت. فتحت خزانة ملابسها وارتدت ثوباً انيقاً من الحرير الأخضر.
طوقت عنقها بعقد من الكريات اللؤلؤية، وعطّرت جسدها بعطر خفيف بنكهة التفاح. أخرجت ورقة وقلماً وسطرت بضع كلمات حزينة كما لو أنها تندب نفسها. أعادت قراءة الورقة أكثر من مرة، وتساقطت دموعها.
فتحت النافذة وجلست على حافتها. داعب شعرها هواء بارد منعش. التقطت عيناها عشرات المصابيح التي تمتد على شارع تحيط به أشجار كثيفة الغصون والأوراق. التقطت رجلاً يسير وحيداً، وشيّعت امرأةً ورجلاً يلفان ذراعيهما حول خصري بعض ويتواريان خلف شجرة من تلك الأشجار الكثيفة الغصون والأوراق.
تنهدت. تنفست بعمق. تحسست حافة النافذة. فتحت عينيها على سعتهما. وبقفزةٍ واحدة… وصلت إلى صورة زوجها وأنزلتها..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى