النسخة الرقميةثقافية

الإستعارة في ضوء علم اللغة الحديث

2

يُعدّ الجاحظ (ت 255 هـ) أوّل مَنْ تحدّث عن الاستعارة في الأدب العربي بقوله: «الاستعارة تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه»، ويمضي في الكلام عليها بأمثلة شعرية كثيرة من دون أنْ يبيّن علاقتها بالتشبيه, وكذلك فعل ابن المعتزّ وابن قتيبة الذي عرّف الاستعارة تعريفاً غير دقيق إذْ يصدق تعريفه على المجاز كلّه ولا سيّما المُرسَل الذي من علاقاته السببية والمجاورة، ويستدلّ على ذلك من خلال أمثلته التي ذكرها بقول الشاعر:
إذا سقطَ السماءُ بأرضِ قومٍ
رعيناهُ وإنْ كانوا غضابا
وقولهم للنبات (نوء) وللمطر (سماء).
ولم نجد بلاغياً أو ناقدا فرّق بينهما سوى أبي الحسن الرمّاني الذي قال في تعريفه الاستعارة: «هي تعليق العبارة على غير ما وُضِعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة». ثمّ يفرّق بين الاستعارة والتشبيه بقوله: «والفرق بين الاستعارة والتشبيه : أنّ التشبيه بأداة التشبيه في الكلام وهو على أصله لم يغيّر في الاستعمال لأنّ مخرج العبارة في الاستعارة ليست له في أصل اللغة». ولا يعني هذا أنّ الرمّاني اطّلعَ على آراء أرسطو بل إنّه من تلاقي الأفكار, وهذا غير جديد في البحث اللغوي.
وهذا التفريق أثّر في اللغويين المحدثين، فقد ذكر (وارن شيلز) أنّ هناك بوناً كبيراً بين الاستعارة والتشبيه, بقوله: والفرق بين الاستعارة والتشبيه فلا يمكن أن تحتفظ الاستعارة بمعناها عندما يتمّ تحويلها إلى تشبيه. ولا يمكن أنْ تحتفظ الاستعارة بمعناها عندما يتمّ تحويلها إلى تشبيه. وجاء بعده (ليتش) فأكّد أنّ المعنى الحرفي هو الأساس والمعنى المجازي مشتقّ من المعنى الحرفي ثمّ حصل تحوّل استعاري بسبب التشابه بين المشبّه والمشبّه به , وبيّن أنّ هناك ثلاث خطوات لتحليل الاستعارة. الخطوة الأولى هي الفصل بين الاستخدام الحرفي والاستخدام الاستعاري, والخطوة الثانية تحليل المشبّه والمشبّه به باستخدام عناصر دلالية لملء الفراغات الموجودة بين التفسير الحرفي والتفسير الاستعاري. والخطوة الثالثة هي تعيين وجه الشبه الذي نعنيه حينما نفصل بين المشبّه والمشبّه به وهذا ما يدخل تحت عنوان (النظرية الاستبدالية).
وقد أكّد أرسطو في أثناء حديثه عن الاستعارة جودة العبارة ووضوحها لكي يفهمها المتلقّي ولا تتحوّل عنده إلى ألغاز ورطانة وتخرج من الهدف الإبداعي الذي أراد الشاعر أو الكاتب بقوله: «وجودة العبارة في أنْ تكون واضحة غير مبتذلة , فالعبارة المؤلّفة من الأسماء الأصلية هي أوضح العبارات لكنّها مبتذلة»، إلى أن يقول: «فينبغي الجمع بين هذه الأنواع على نحو ما, فالغريب والاستعارة والزينة وسائر الأنواع التي ذكرناها تنأى بالعبارة من السوقية والابتذال والاستعمال الأصلي يكسبها وضوحاً».

د. علي حسن مزبان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى