مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم
55
بخلافِ اعتقاد البعض مِنْ أَنَّ السَماويَ «ولد وِفِي فَمِه ملعقة مِنْ فضة»، فإنَّ الواقعَ الفعلي، وَمَا أفضى إليه بحثي المعمق فِي هَذَا المنحى يؤكدان أَنَّه ابن بِيئَة فقيرة وُقد ولد مِنْ رَحمِ المعاناة، فَلَمْ يجد نفسه فِي بحبوحةٍ مِن العيش، وَلَمْ تكن أسرته في فيضٍ وَوفرة منذ ولادته، حيث وصل تنقّل عائلته «أربع عشرة» مرة فِي فضاءاتِ مدينة السَماوة؛ لغرض السكن بمنازلٍ مؤجرة تتناسب مَعَ دخلِ والده «رحمه الله»، وَلَمْ يَسْتَقِرْ لَهَا حال إلا فِي سبعينياتِ القرن الماضي حين ترك والده مهنة البقالة وَافتتح مكتباً لبيعِ الحصى وَالرمل، وَعملَ مقاولاً ثانوياً مَعَ الشركةِ الروسية الَّتِي قامت بتحديثِ معمل سمنت السماوة، حيث تولّى تجهيزها بهاتين المادّتين. ومِنْ المعلومِ أنَّ السَماوةَ تُعدّ منجماً لإِنْتَاج الإسمنت؛ بالنظرِ لتوفرِ المواد الأولية الداخلة فِي هَذِه الصِناعة وَالمتمثلة بحجرِ الكلس وَالتراب العادي واطئ الكبريتات فِي صحراءِ السَماوة، وَوجود الجبس عَلَى ضفافِ بحيرة ساوة، الأمر الَّذِي يلزم الحُكُومة المَحَلِّيَّة المثابرة وَالجهد سعياً فِي الوصولِ إلى جعلِ محافظة المثنى عاصِمة العراق فِي إِنْتَاجِ الإسمنت. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الأدلة الَّتِي تثبت مَا أشرنا إليه بخصوصِ نشأة السَماوي فِي بِيئَةٍ فقيرة هو مَا ذكره الأديب سلام إبراهيم عَنْ زيارته إلى مدينةِ السَماوة للقاءِ السَماوي يحيى بعد فراق دام بضع سنوات، وَالَّتِي كان يظن أَنَّ مبيته وَصحبه فِي شقةٍ موقعها وسط السوق تعود لأهلِ السَماوي، حيث تحدث عَنها إبراهيم بعد أربعة عقود مِنْ ذلك التأريخ بالقول «تصورت أن والد يحيى من أثرياء السماوة وعلى خلاف مع يحيى لتوجهه اليساري، وهذا ما بقى في ذاكرتي من تلك الرحلة الشبيهة بحلمٍ بحسبِه، لكن يحيى فِي لقائي بِه نهاية عام 2017م، حكى لي قصة أخرى خلال الأمسية التي أقيمت تكريماً للسماوي ـ يقصد أمسية بيت النخلة فِي الدنمارك ـ عن فقر أهله المدقع، وتنقلهم في بيوت مستأجرة».
الـسـفـيـنـةُ غـرقـتْ؟
لا ذنـبَ لـلـمـيـنـاءِ
إنـهُ ذنـبُـهـا!
لا ذنـبَ لـهـا..
إنـه ذنـبُ الـمـجـاديـف!
لا ذنـبَ لـلـمـجـاديـفِ..
إنـه ذنـبُ الـسّـواعـد!
لا ذنـبَ لـلـسّـواعِـد..
إنـه ذنـبُ الـرّأس!
آه..
كـم مـمـلـكـةِ عـشـقٍ انـدثـرتْ
لأنَ «رأسـاً» واحـداً
رمـى الـفـتـيـلَ فـي الـغـابـةِ
لِـيُـذيـبَ الـجـلـيـدَ الـمُـتـجـمِّـدَ
فـي عـروقـه؟!
إذا كنا نركن إلى القولِ الَّذِي يسلم إنَّ الإحصاءاتَ لا تعطي صورة كاملة بوسعِها المُسَاهَمَة فِي فهمِ مُشْكِلة الفَقر، فلا رَيْبَ أَنَّ الفَقرَ يُعَدّ مِنْ أكثرِ الظواهر فتكاً فِي حياةِ الأمَم وَالشعوب؛ إذ لا تقتصر تأثيرات هذا الوباء الْمُجْتَمَعي عفي الحالتينِ الاقْتِصَادِيَة أو الاجْتِماعِيَّة فحسب، وَإنما تتعداهما إلى حزمةٍ متشابكة مِن الآثارِ الموجعة الَّتِي مِنْ شأنِها المُسَاهَمَة فِي شيخوخةِ الْمُجْتَمَعات الإنسانيَّة وَالتعجيل بهلاكِها. وَيرى المتخصصون تفرد الفَقر كظاهرة اجْتِماعِيَّة تتساوى مِنْ حيث الشمول في تعدّيها عَلَى حقوقِ الإنْسَان؛ نتيجة تعدد سلبية آثارها الكارثية، وَالَّتِي مِنْ أكثرِها خطورة عَلَى الْمُجْتَمَعِ البَشَريّ هو مَا يخيم عَلَى فضاءاتِ العِلْم وَالثَّقَافَة. وَبالاستنادِ إلى هَذَا الاستدلال يمكن الجزم بأنَّ البؤسَ الَّذِي عاشته الْمُجْتَمَعات المَحَلِّيَّة فِي بلادِنا كان لَه دورٌ مؤثرٌ فِي تشكيلِ وَعيها السِّياسِيِّ، وَهو الأمر الَّذِي يفسر انخراط أبنائها – وَمِنْ بَيْنَهم يحيى السَماوي – فِي صفوفِ حركة اليسار العراقي بشكلٍ مبكر؛ لأجلِ تحقيق حلم الطبقات المقهورة فِي إقامةِ دولة تظللها الحرية وَيسودها العدل وَالرفاه.
هـي الـتـي
رأتْ كـلّ شيء..
فـأخْـبَـرَتْـنـي عـنـي
ـ ـ
أمِـنْ مـاءٍ جـسـدُك؟
كلما حـاصـرني الـعـطـش
أقـبّـله فـأرتـوي!
أنـامـلـي الـيـبـيـسـةُ تـغـدو فـراشـات
حـيـن تـمـسّـدُ يـاسـمـيـنـه..
يـسـيـلُ الـضـوءُ مـن بـلّـورك
مُـضـيـئـاً لـشـفـتـيّ
الـطـريـقَ نـحو حـقـول الـتـيـن والـزيـتـون والـكـرز!
ـ ـ
الـجـالـسـون فـي الأبـراج الـعـالـيـةِ والـقِـمـم
رؤوسُـهـم مُـنـحـنـيـةٌ
لـكـثـرة تـحـديـقـهـم نـحـو الأسـفـل..
نـحـن الجـالـسـيون فـي الأوديـة والـسـفـوح
رؤوسُـنـا مُـرتـفـعـةٌ دائـمـاً
لـتـحـديـقـنـا نـحـو الأعـالـي!
عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ السَماويَ الَّذِي ارتشف قهوة الأدب مبكراً، عاش وَترعرع فِي كنفِ عائلةٍ كادحة وَمكافحة بالكاد توفر أدنى حاجاتها الأساسية, فضلاً عَنْ استحالةِ إيجاد مكان ملائم فِي منزلِه – وَلو بالحدود الدنيا – يسمح لَه بممارسةِ هوايته فِي المطالعةِ وَالكتابة الأدبية، إلا أَنَّ ذلك لَمْ يحد مِنْ عزمِه فِي المثابرةِ عَلَى طلبِ العلم وَالسعي إلى الحصولِ عَلَى مواردِ المَعْرِفة، حيث كان يعمل جاهداً مِنْ أجلِ تحقيق مرامه، وَمِنْ بَيْنَ تلك السبل ذهابه مَعَ بعضِ أترابه فِي أوقاتِ الظهيرة مِنْ أيامِ الصيف القائظ إلى منزلِ صديقه الوَدُود الشاعر وَالفنان التشكيلي عباس حويجي، وَالَّذِي كان وضع عائلته المادي يتيح له تنظيم حياته بشكلٍ يجعله قادراً عَلَى ابتياعِ الكتب، فضلاً عَنْ توفيرِ البِيئَة الملائمة للمطالعةِ وَممارسة هوايته فِي الفنِ التشكيلي، حيث كان دَخلُ عائلته جيداً؛ جراء عمل والده فِي تجارةِ الحبوب، بالإضافةِ إلَى أَنَّ عددَ أفراد عائلته قليل، الأمر الَّذِي مكنه مِنْ اِسْتِغلالِ غرفة الضيوف الَّتِي يشار إليها محلياً باسْمِ «البراني» أو «الديوانية» فِي متابعةِ هواياته المفضلة وَنشاطاته الَّتِي يحبها، مَعَ العرضِ أنَّ تلك الحجرة كانت مزودة بمروحةٍ سقفية وأرائك خشبية وَبَدن – بمثابةِ البراد المعتمد فِي الوقتِ الحاضر – لحفظِ الماء بأوعيةٍ وسط الثلج الملفوف بالأكياسِ النسيجية. وَيقيناً أنَّ جميعَ تلك المواد وَعَلَى الرغمِ مِنْ بدائيتها وَبساطتها، لَمْ تكن يومذاك متاحة فِي منزلِ السَماوي يحيى وأغلب مجايليه.
لـم يـكـن «عـلـمـاً فـي رأسِـهِ نـار»..
لـكـنـه مـشـهـورٌ أكـثـرُ مـن الجميع
فـهـو الـوحـيـدُ الـكـامـلُ نـقـصـاً
فـي مـديـنـةٍ
جـمـيـعُ أهـلِـهــا نـاقـصـو الـكـمـال!
ظـافـرٌ بـالـرذائـل كـلـهـا..
غـريـبٌ عـن الـشـرف..
لا تـحـزنـي يـا تـفـاحـتـي الـحـلال:
أعـرفُ أنّ مـاءَ غـســيـل ثـيـاب الـمـومـس
أطـهـرُ مـن أن يـكـون حِـنّـاءاً لـشـاربـهِ
لـكن فـضـلـهُ عـلـى الــعـهـر كـبـيـر..
فـلـولاه
مـا كـنـا سـنـعـرفُ
أن بـعـضَ الـمــخـانـيـثِ
يـحـيـضـون
فـيـطـمـثـون مـن ضـمـائـرهـم!
هـل كــان كـتـابُ الـلـهِ
ســيُــقـدِّسُ شـهــدَ الـنـحـلـةِ
لـولا
قـذارةُ الـخـنـزيـر؟



