كيف يصلح الإمام المهدي «عجل الله فرجه» هذه الأرض ؟
السيد عباس نورالدين
أنّ الله خلق هذه الأرض لهدفٍ محدّد، ولا بدَّ أن يتحقّق هذا الهدف، فهو سبحانه بالغٌ أمره، لا يحول بينه وبين نفوذ حكمته شيء. وما كان جعل خليفة له في الأرض إلا لأجل ذلك. وهذا يعني شيئا واحدا وهو أنّ هذا الهدف سيتحقّق حتمًا وسيكون شرف ذلك لهذا الإنسان أيضا! ولأجل ذلك، لا بدّ من حصول تحوّلٌ نوعيّ في حياة البشر وسلوكهم وتعاملهم مع أمّهم الأرض.. وهنا يكمن إنجاز الإمام المهدي الأكبر..وحين نتأمّل في كل هذا الخراب والفساد الذي ظهر في البر والبحر، فلا نشك لحظة بأنّه ممّا كسبت أيدي الناس. وهذه الحضارة الغربية التي نعرفها اليوم، ونقاسي الأمرّين في ظلّها، لم تكن لتظهر على ما هي عليه لولا هذا الاستهلاك المفرط والعشوائي والمحموم والهمجيّ والشهوانيّ لموارد الأرض وثرواتها وكائناتها..وحين نتحدّث عن حضارة ما فأوّل ما يتبادر إلى ذهننا نمط العيش الذي تتميّز به..لقد كان في نظرة الأوروبيين للحياة ـ والتي تمكّنوا من فرضها على نطاقٍ واسعٍ على هذه المعمورة بوساطة جيوشهم وحروبهم واستعمارهم ـ العامل الأكبر وراء كل هذا التخريب الهائل الذي طال جميع أرجاء الأرض بيابستها ومياهها وهوائها..إنّ إنتاج وصناعة آلاف السلع والأدوات والوسائل، التي لا طائل من ورائها ولا فائدة ولا منفعة ولا ارتباط بكمال الإنسان وسعادته الواقعية؛ وإنتاج ما لا يُحصى من السلع المضرّة والمفسدة والمدمّرة، من الغرب ومن آمن به: هما العامل الأوّل وراء كل هذا الخراب الذي تشهده البيئة في هذا العالم. وكل ذلك إنّما نشأ من الرؤية المادية العبثية الماجنة التي سيطرت على ثقافة الغربيّين منذ مئات السنين؛ والتي وجدوا فيها أفضل وسيلة لبسط نفوذهم على غيرهم من شعوب الأرض من أجل السيطرة عليهم واستعبادهم، حفاظًا على نمط عيشهم..فإنّ عدم قدرتنا على اكتشاف هذه العلاقة بين نمط العيش الغربيّ وإفساد الأرض يحكي عن سذاجة وجهالة مفرطة. ولهذا، لا يمكن أن يتوقّف مسلسل التدمير الممنهج للكرة الأرضية إلا بعد نفض اليد من هذا النمط من العيش والتخلّص منه إلى غير رجعة. ولا يبدو أنّ الغربيّين، والكثير من شعوب العالم التابعة لثقافتهم، مستعدّون لمثل هذا التغيير اليوم، مهما بلغت المواعظ وأخبرت الإحصاءات، بل حتى لو وصلت الكارثة إلى حد الدمار الشامل. فلا بدّ ممّن يأخذ على أيديهم ويمنعهم من ذلك.هذا هو فنّ إمام الزمان الأعظم، والذي سيتجلّى في إنقاذ الأرض من براثن هذه الثقافة المنحطة والجاهلة، التي امتزج فيها اليأس والعبثية بالشهوانية واللذة الماجنة.. وبالتأكيد لو كان الأمر سيجري بوساطة العنف والدمار والقتل والإبادة، فلا حاجة لإمام الزمان عندئذٍ؛ فإنّ الطبيعة بنفسها يمكن أن تتكفّل بذلك؛..إنّ مشكلة الكثير من المحبّين والمنتظرين اليوم هي أنّهم يصرّون على النظر إلى هذه الحركة المهدوية من زاوية واحدة. وهي زاوية الحروب والقتال والتدمير والأفعال العسكرية، مع ما فيها من بطولة وتضحية. ولأنّ معظم مقدرات الأمور والإمكانات هي اليوم تحت تصرّف أمثال هؤلاء، فلا نلاحظ نشوء أو انبعاث تربية أو ثقافة توجّه الجماهير المؤمنة والمتطلّعة نحو ذلك النهج المهدويّ الأكبر. وحين تكون أغلبية المنتظرين متشكّلة من المستقوين بالسلاح والخائفين المتوجّسين منه، فلا نتوقّع أن يروا أي دورٍ فعّال لغير السلاح والعسكر في القريب العاجل. وهكذا، تنصرف معظم الجهود باتّجاهٍ واحد وتتحوّل الوسائل إلى غايات بحدّ ذاتها..ورغم أنّ الإمام الخميني(قدس سره)قد علّم الجميع درسًا عظيمًا حول قوّة الكلمة، حين استطاع أن يثوّر شعبًا بلغ الملايين بالكلمة والموقف، فإنّنا لم نصل بعد إلى هذه القناعة، ولم نعمل على اكتشاف الكلمات التي يمكنها تغيير شعوب الأرض بأسرها..وإنّ انبعاث الحركة الواعية القوية للتمهيد يعتمد على الفهم الدقيق لدور هذا الإمام ومتطلّبات حركته. وهذا ما يحتاج إلى تأسيس المبادئ على قواعد الحكمة الإلهية والمعرفة الدقيقة لما يجري في العالم.



