مكة والمدينة والتكليف الحسيني
حينما قرّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يغادر مكّة المكرّمة، عرض صلى الله عليه وآله وسلم على جماعة من أهل المدينة أن يهاجر إليها لتكون هي الموئل الجديد لدعوته، فاستجاب أهلها له، وآمنوا به، وذلّلوا له الأسباب، فتشكّلت فيها بيئة حاضنة له ولمن معه، وأصبحت مستعدّة لأنْ تكون قاعدة الانطلاق الكبرى. كان لهذا الولاء من أهل المدينة تجاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانتصارهم له صلى الله عليه وآله وسلم نتائج وبركات كبيرة وعظيمة جدّاً. وقد بدأ عنوان «الأنصار» من المدينة؛ لما قدّمته هذه المدينة من التزام وولاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وانتصار لقضيته، وتحملها للمسؤوليّة وقبولها للتحدّي. ولا نتحدّث هنا عن النتائج الأخرويّة وما أعدّه الله سبحانه وتعالى لمن آمن وهاجر وجاهد ونصر وآوى، بل عن النتائج الدنيويّة لهذه المواقف. فقد أصبحت يثرب مدينةَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومحور الاهتمام في شبه الجزيرة العربية، بل عاصمة الدولة الإسلاميّة الفتيّة في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولعشرات السنين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأصبحت محور الاهتمام الثقافيّ، والفكريّ، والدينيّ، والسياسيّ، والعسكريّ، والاقتصاديّ والاجتماعيّ أيضاً، وأصبحت محطّ رحال الآتين من أطراف شبه الجزيرة العربيّة وأنحائها، ومركزاً للعلم، والثقافة، والإشعاع الإسلاميّ والدينيّ والقرآنيّ، ومركز الحوار مع أتباع الديانات الأخرى، وثبّت فيها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم السلام الداخليّ بين الأوس والخزرج والمهاجرين، وانتهت الهيمنة الفكريّة لليهود، هكذا كانت حال المدينة في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما بعده، ولكن إذا ما قلّبنا صفحات التاريخ إلى سنة 60 للهجرة؛ أي بعد 50 سنة على وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، سنجد أنفسنا أمام مشهد مختلف تماماً. ففي عام 60 للهجرة، يُبلَّغ الإمام الحسين عليه السلام وأهل المدينة بموت معاوية، ويُطلب منهم مبايعة يزيد. وهنا تبدأ معالم الحركة الحسينيّة بالظهور. فقد كان موقف الإمام الحسين عليه السلام واضحاً في رفض البيعة ليزيد؛ لأنّ «يزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، مُعلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله». لقد شخّص الإمام الحسين عليه السلام تكليفه، القاضي بعدم تقديم البيعة ليزيد، وأنّ عليه مواجهة الوضع الجديد أيّاً تكن الأثمان والتضحيات. بعد ذلك، خرج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة وسط تخاذل أهلها، في الوقت الذي كان يحتاج عليه السلام فيه إلى نصرتهم ومساعدتهم. نعم، خرج دونما أن يأتي أحد ويطلب من الإمام الحسين عليه السلام البقاء في المدينة، أو أن يقول له أهل المدينة: كيف تخرج يابن رسول الله، وهذه مدينة جدِّك، ومدينة الإسلام والأنصار، وهذه المدينة التي انطلق منها المسلمون لصناعة الأمجاد؟ فلتبقَ هنا ونحن معك ننصرك، ونعينك، وندافع ونحامي عنك، ولتكن المدينة هي قاعدة ثورتك وقيامك لتغيير هذا الواقع المأساوي في الأمّة، نظراً إلى المكانة الكبيرة والاحترام الكبير اللذَين كانت تحظى بهما المدينة في وسط الأمة الإسلاميّة، حيث كان يمكن لها أن تشكل قاعدة حقيقيّة، وتؤمّن فرصة تاريخية عظيمة للتغيير في ذلك الوقت، لكنّها لم تحرّك ساكناً، وتركت الإمام عليه السلام، فخرج منها قاصداً مكّة المكرّمة.
وصل الإمام الحسين عليه السلام إلى مكّة المكرّمة قبل أربعة أشهر تقريباً من موسم الحج، فالتقى بالناس، وبالوفود التي جاءت من الخارج، وفيهم الوجهاء وكبار القوم وبقيّة المهاجرين والأنصار. وكما المدينة، لم تنصر مكّةُ الإمامَ عليه السلام، ولم تقل له، عندما رأته يريد الخروج منها إلى الكوفة: ابقَ يابن رسول الله، بل على العكس، كانت المبادرة الوحيدة التي قدّمتها هي الطلب إليه أن لا يفعل شيئاً، مقابل أن تطلب له الأمان من والي مكّة. وهذا العرض الذي قدّمته مكّة هو -في حقيقته وجوهره- دعوة إلى استسلام الإمام عليه السلام، ولم يكن عرضاً لأن تنصره عليه السلام. بعد خذلان أهل مكّة المكرّمة الإمامَ الحسين عليه السلام، توجّه عليه السلام إلى الكوفة .



