النسخة الرقميةثقافية

عاصم عبد الأمير.. عُمق التشكيل وإلهام فضاء الطفولة السحري

علي المرهج

لقد شكَّل عاصم عبد الأمير بتشكيلاته اللونية ظاهرة فردية في الرسم العراقي المُعاصر، فهو ينهل من فضاء الطفولة وبراءتها كثيراً من عطاء اللون وبهائه. هو طفل بجسد رجل وعقل فني أخَاذ، غريب أمر هذا الفنان كيف تمكّن من الغوص بسحر عوالم الطفولة والكشف عن براءتها في التشكيل، وهو في ذات الوقت فنان كبير مُتمكن من أدواته له قدرة فذَة على تطويع اللون بما يليق بعالم الطفولة وفضاء صدق التخطيط اللوني!

د. عاصم عبد الأمير لا يرسم لوحة إنما هو يرسم أملاً يرتجي أن يزرعه هو في رسومه يستمده من ألاعيب ومُشاكسات الأطفال بعراكهم وبتواددهم بعد عراك! لوحاته تكشف عن طفولتنا المخبوءة خلف عُنجهيتنا وتمردنا الأهوج على الكامن في نفوسنا من براءة. هو ابن الديوانية التي ولد فيها في عام 1954، وأستاذ التشكيل في كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل، كما هو الحال مع زميله د.كاظم نوير ابن مدينته.
درس في آكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، بمعنى أنه ربيب تنويع ثقافي فريد وتلاقح ثقافي بين حضارات ثلاث يشهد بعظمتها القاصي والداني هي: حضارة سومر وحضارة بابل وحضارة بغداد الرشيد.
سومر جذره التكويني وبغداد تكوينه المعرفي بتاريخ الفن التشكيلي وبابل موطن الجمال والإبداع في لوحاته، فأي تكوين مثل هذا يُغبط عليه من ترادفت عنده تأثير حضارات ثلاث شغلت الدُنيا بإبداعها الثقافي والعُمراني والحضاري والفني.
هذه التنويعات الثقافية بكل ما فيها من عُمق التأصيل كان لها تأثيرها الواضح في نتاج عاصم عبد الأمير الفني.
لم تقتصر اهتمامات عاصم الفنية على التشكيل، فقد كان في صغره فضلاً عن شغفه بالرسم بفعل تأثره بأخيه الأكبر الذي كان رساماً أيضاً، إنشغل عاصم كذلك بتجويد القرآن والغناء، واتقان رسم الخط العربي.
بعد أن درس التشكيل في الآكاديمية ودرس على أيدي كبار الفنانين ومن أهمهم محمد غني حكمت وجواد سليم الذي قال عنه عاصم «إنه فنان عظيم» «وهو ضوء مُشع في تجربتي» فتأثر بأعماله التشكيلية ولكنّضه لم يكن نسخة منه، بل تمكن من الخلاص من سطوة كل تقليد، وحاول أن يضع له بصمة خاصة في التشكيل العراقي، وكما فعل أستاذه جواد سليم حينما أخذ من بيكاسو وجياكوميتي، حينما طوَع أعمالهما وصبهما برؤية محلية، سعى عاصم مثل سعيه، فـ «العُظماء يتحاورن» كما يقول عاصم، والقيمة تكمن في خروج المُتمكن من جُبة هؤلاء كي يُحيك جُبَته هو بنفسه، ولربما تكون هذه الجُبَة التي عمل على حياكتها سنوات مشغل لتخريج عشرات الفنانين منها، وهو ما حصل مع عاصم، فقد تخرج من عباءته أو جُبته عشرات الفنانين الذين يدينون له بفضل تعلم وصقل موهبة.
كل فنان لا يستطيع الفكاك من أسر التقليد لا يصحُّ عليه لقب فنان، وهذا القول ينطبق على كل مُنتج في فضاء إبداعي ما.
من كُتبه المنشورة:
ـ تخطيطات محمد غني حكمت، حداثة النسب لا حداثة حائرة.
ـ المُحرم والمُباح.
ـ جواد سليم أجنحة ريادة أم ريادات.
ـ عاصم عبد الأمير من خلال الطفولة.
ـ الرسم العراقي ذكرة الثمانينات.
نال الكثير من الجوائز والتكريمات في العراق وخارجه.
تمكن عاصم من إبتداع نسق جمالي تداولي له، مُحيطه فضاء الطفولة ومركزه تنويعات التعبير عنها داخل فضاء اللوحة (المكان) المحدود بأطر يزدان بها مُحيط اللوحة للمُتلقي العادي، ولكنها عند المُتلقي الواعي، إنما يجد في لوحة عاصم تمرد وخروج عن هذه الأطر وهدمٌ لكل قيد يُقيد فعل الطفولة الحُر حتى وإن أطرته مُقتضيات العرض للوحة.
القلق فعل فيه دفق وتنشيط لرؤية عاصم، فكل إبداع نصي أو تشكيلي إنما هو نزوع نحو قلق وخلقٌ لقلق جديد.
قلق المُبدع مجس له لتأويل الواقع المُعاش في عمل تشكيلي أو نتاج نصي إبداعي، وهذا هو حال عاصم عبد الأمير ولم يزل، فحينما تراه بكل ما فيه من توق للتعبير عن الترحيب بك، إلَا أنك تجد في طلته دهشة وتعبير عن قلق وجودي يعيشه ويلتذ به، لكن هذا القلق لا يعني التمرد كما فهم البعض من رؤى عاصم النقدية أو تشكيلاته اللونية، إنما هو قلق معرفي فيه جذب وإنجذاب لمواطن الجمال ومحاولة الكشف عنها في الذات الإنسانية التي غلب على حضورها الأنطولوجي قساوة المظهر، بل وقتامة الرؤية التي لا ترى في الوجودية نزعة إنسانية بقدر ما ترى في الوجود ببعده الفيزيقي قسراً وقهراً للأنا، والوجود فيها لا يسبق الماهية بعبارة الوجودية كما طرحها سارتر في كتابه «الوجودية مذهب إنساني».
لذا نجد عاصم يبحث عن أصل الوجود الإنساني في لوحاته التي رسم فيها ملمح الطفولة في وجودها المؤنسن الذي لا دالة عليه سوى الطفولة نفسها. الطفولة بوصفها التعبير الوجودي الحقيقي عن وجودنا الذي بمقدورنا أن نُثبت من خلاله جذور أنسنتنا.
لم ينشغل عاصم كما يظن الآخرون بالتنغيم اللوني، إنما ما يُميز عاصم كما أرى، أنه إشتغل على مُضادات التلوين وتقريب المُتناظر منها لخرقه، وهو فعل ناقد واعٍ منه يدمج معه تقائية عفوية طفولية لا ترى في اللون سوى خرق لقواني مُعتادة في أفق التعارف المُجتمعي، وأفضل تعبير بوعي عن ردَم لهذه التقاليد البالية هو تفعيل براء الطفولة في (الشخبط) والترسيمات الإيهامية بوصفها أدوات للتعبير عن رفض ما هو سائد، بل وتعبير عن رفض الوصاية (الأبوية ) النافذ، وكأنه قدر أو قانون إلهي!.اللون عنده مساحة للتعبير عن المعنى، ولا يُشغله النسق بقدر ما يُشغله موضوع اللوحة وقدرته عبر مقدرته التعبيرية والإسلوبية لجذب المُتلقي لمنطقة (إنهمامه) بلفظ مُستعار من ميشيل فوكو.
لم يشتغل على منطقة التجريد إلَا بالقدر الذي يجد فيها بفعل مقدرته النقدية لا التشكيلية فقط عُدَة مناهجية لتوصيل رسالته الفنية والإنسانية.
عاصم عبد الأمير يستقي من مناهجية التحليل النفسي لمُحاكاة الذات الفردية والكشف عن مكنوناتها الغرائزية الغائرة أكثر مما يظن البعض أنه قريب من المنهجية البنيوية، فهو لا تشغله، كما أحسب، العلاقات والغوص لكشف بنيات هذه العلاقات إلَا بالقدر الذي تُمكنه هذه المنهجية (البنيوية) من الاقتراب من النفس البشرية ببعدها الطفولي الذي كشفت عنه مدرسة التحليل النفسي وصراع الطفولة المُستميت مع الأبوة (الفحولة) التي غيَبت تماهي أنا الطفولة مع (الأمومة).
ومن هنا أرى أن أعمال عاصم عبد الأمير هي ليست أعمالاً ذات تنوع بنيوي كما يرغب أن يصفها بعض من دارسيه، إنما وعي بصري أخَاذ لتعرية وكشف طُغيان فعل الذكورة في مُجتمعاتنا البشرية الذي تعمدَ بفعل تقاليد متوارثة وبالية على إقصاء مُتعمد للأنوثة وحميمية التفاعل الصادق بينها وبين الطفولة.لفناني بابل وامتداد تأثير حضارتهم في أرض النجف والديوانية وحتى السماوة وتلاقح هذه المدن ثقافياً مع الحضارة السومرية فعل أثر وتأثير، فلك أن تجد ذلك في أعمال الكبار من المُعاصرين اليوم من أمثال : محمود شاكر وعلي شاكر ومكي عمران وكاظم نوير وبلاسم محمد وفاخر محمد ومؤيد محسن ومعهم عاصم عبد الأمير وجُلّهم من الآكاديميين ومن حملة لقب (بروفيسير) تأصيل وتجذير وخلق وإبداع وخروج عن مُهيمنة ثقافة الأصل، لا تنكراً لهذا الأصل بقدر ما هو تفعيل لحضوره برؤية حداثية وما بعد حادثية تستمد من هذا الأصل بهاءه وأصالته وتسعى للخروج من أسره للحفر في مناطق جمالية أخرى ربما هي كامنة فيه ولم نكتشفها بعد، وفضل المناهجيات المعاصرة ربما في تنمية وتجديد وعينا بهذا الأصل (الأنا) والإنفتاح في الرؤية التشكيلية على (الآخر).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى