النسخة الرقميةثقافية

هي والحلم

فرحات جنيدي ـ مصر

وقف أسفل المطر ينظر إلى السماء مبتسما في تحدٍ رغم الدموع المنهمرة من عينيه، يفتح فمه ويملأ الدنيا نداءاً، تختلط الدموع وماء المطر فيزداد عطشه، يهرول في الطرقات فارداً ذراعيه وعلى بابها سقط كالطير الجريح، نهض في كبرياء بعد أن رآها من بعيد فتراقص قلبه وتنفست روحه من شذاها، اقترب منها بحذر، نظرت إليه ﻣﺒﺘﺴﻤﺔ ﻗﺎﻟﺖ: أرى اﻟﺸﻌﺮ اﻷﺑﻴﺾ ﺑﺪأ ﻳﻐﺰو رأﺳﻚ. قال: كيف وأنا الشاب؟! وإن كان ما تقولين، فاﻟﺸﻴﺐ تاج وقار. فردت ﻋﻠﻴﻪ والضحكة ﺗﻌﻠﻮ وجهها: الشيب وقار، لكن ما بك شيب اليأس والضعف والاستسلام، إن هذا شيب الخوف وهذا ليس ﻟﻚ. قال وهو يحاول ألا يكذب عليها: إن الخوف عنصر أساس للوقاية أو للردع ولولاه لفسد كل شيء. قالت: نعم، أعلم لكن المشكلة أن كثيرين يستخدمونه كأداة وحيدة لفرض سلطانهم، ولا شك أنهم يجدون نتائج سريعة في هذا، فلا بدَّ من موت إله الخوف فيك حتى تتحرر، فمن العار أن يعيش إله الخوف فيك.
اندهش من كلامها وقال بصوت غاضب: لا لا لا، لم أعرف يوماً، هذا الخوف أنا ابن أمة إذا ‏غضبت ‬أشعلت الأرض ‏ناراً,‬ ‬‬‬وﻣﻦ فاليوم ﻓﺼﺎﻋداً ﻟﻦ ﺗﺸﺎﻫﺪي هذا مرة أخرى. قالت في صمود وعيناها مبتسمتان: أتمنى فأنا منذ زمن بعيد وأنا أريد رجلاً قوياً هدفه النصر يملأه التحدي والكبرياء والإصرار, هيا اذهب فأنا لا أريد رجلاً لا يعلم إن كان الآن ليل أو نهار. صرخ فيها وقال: لا أنا هو من تبحثين عنه.مدّ يده وحاول أن يمسك بها، لكن الأشواك من حولها وقفت له بالمرصاد، تذكر كلامها فحارب اليأس الذي بداخله ومضى يقلم الأشواك التي تحيط به في صمت، تمسكت الأشواك بالأرض فجرحته، قاوم في إصرارغريب، شعرت بالعزيمة والتحدي تملأ روحه فتراقص قلبها وتمايلت مع نسمات الهواء فأطلقت شذاها فشعر بالقوة، جمع أوراقه ومشط شعره الأبيض وأسرع والحماس يملأ قلبه. لكن سرعان ما اصطف الناس حوله وأقاموا له المحكمة وجلس المحكم ومن حوله رجاله, اقترب منهم رجل صلب الملامح وصرخ فيهم فصمت الجميع.
تذكرها فرفض الصمت، فصاح فيهم وشرح رسالته، هَمْهَمَ الناسُ وهم يضربون الكفوف ويصرخون فيه: هي لا تحتاج إلى رجال، فرجالها أهل ثبات وحق, هي تحتاج إلى سلاح، وسوف نبحث هذا، فوالله لم نجد في حياتنا أعندَ من رجالها ولن تنكسر ما دام فيها تلك الروح العنيدة الجبارة. علا صوته وهو يختم كلامه بسؤال: إذا لماذا صمتم لما يحدث لها؟ أين خيولكم؟ أين أول القبلتين ومهد المسيح؟ غضب المحكم وأعلن التأجيل للعام القادم.
ومن عام إلى عام يعود ويقدم رسالته، ويجتمع الناس وأقاموا له المحكمة وجلس المحكم ومن حوله رجاله، وقبل أن ينطق بكلمة اقترب منه الرجل صلب الملامح وقال بصوت قوي جبار: كفاك وكن مسالماً وكن مثلهم, انظر لقد توقفوا عن الكلام توقفوا عن كل شيء حتى الهمس باسمها في الخفاء حتى الإشارة لها في أشعارهم وحكايتهم للأطفال, انظر لم أعد في حاجة كي أصيح فيهم وآمرهم بالصمت. إنهم الآن فرقتان: واحدة باعت والثانية ضاعت. ثم رفع يده وأشار إلى المحكم فأعلن التأجيل للعام القادم.
ضحك الرجل صلب الملامح وقال: وهكذا سيكون الحال كل عام. انهار وتركهم وأسرع وهو يجري و يصرخ فيهم «كاذبون كاذبون، ارحلوا وخذوا معكم الكذب والنفاق والتلوين والتخوين والتكبر والإقصاء, ارحلوا وخذوا معكم القسوة والعنف والتلاعب بكلام الله وعهوده وإهدار حرمة الدماء, ارحلوا وخذوا الخزى والخنوع للأعداء». ثم احتضن أوراقه وعاد منكس الرأس يجري بصعوبة بالغة كأنه يعبر أرضاً أغرقها الوحل.
ازداد هطول المطر فمضى ينادي السماء وعيناه ترويان بدموعهما ظمأه، ثم أسرع نحو بابها ومضى يضرب أسوارها حتى نزفت يداه وعاد مرة أخرى وأفرد ذراعيه وهو يضحك بجنون وأسرع نحو البحر، وأصداء أصواتها ما زالت تتردد على أذنه. قال لها: لا تحزني ولا تبكي، بدم أطفالك ورجالك ونسائك سوف نحررك, نطرد الغاصب ونطهر ترابك ونزرع الزيتون، القمح والتين بأرضك. يصرخ فيها: لا تهتمى بهم فهم خارطة بلا حدود جثث بها أرواح ينخرها دود وفي أحضانهم ضياع وتشرد, لكن أنتِ أرض الصمود، والحضن الدافئ الذي نتمنّى ونرجو من الله أن يقرّب المسافات بيننا وتعودي لنا حرّة ننعم بجمالكِ وسحرك.
أسرع نحو البحر وهو يفرد ذراعيه ويسخر من روح الانكسار التى بعثوها فى روحه واحتضن أوراقه وغاص في بطن البحر باحثًا عن عالم آخر، لكن سرعان ما خرج أكثر حزناً وجنوناً، يقلب في أوراقه فيجدها أكثر منه قوة, لم يفلح موج البحر أن يذيب صمود الكلمات فتنهار وتختلط الأحبار.
إِبتسم وجلس على ركبتيه فالتفَّ حوله الصبيةُ فنهض بكبرياء وقال: أنتم المستقبل وهي راية تنطق بصوت الحق فهيا للقتال هيا للنضال, هيا أيها الأبطال فإن العيش جريمة تحت راية الأنذال. ضحك الصبية وتركوه واحتضنوا موج البحر يلهون. تهاوت قوته فسقط على الأرض وقال بحزن والدموع تنهمر من عينيه: لكنها اخطأت عندما ظنت أن خارج أسوارها رجال, أغمض عينيه واحتضن أوراقه وشذاها يستقبل روحه ويحملها إلى السماء. عاد أحد الصبية واقترب منه واحتضن الأوراق وأسرع نحو بابها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى