اراءالنسخة الرقمية

«هيومن رايتس ووتش» و لعبة تسييس الحقوق في العراق

عادل الجبوري

منْ يعرف كيف تعمل منظمة «هيومن رايتس ووتش» الاميركية المتخصصة بمراقبة حقوق الانسان في مختلف انحاء العالم، وتشخيص الانتهاكات الحاصلة، لا يستغرب حينما يطلع على فحوى تقاريرها، لاسيما تلك المتعلقة بالعراق خلال الخمسة عشر عاما المنصرمة. اخر تقرير لها، وحمل عنوان (العراق: احتجازات سرية من دون الإجراءات الواجبة .. حملة من الإخفاءات القسرية) يمثل مصداقا فاضحا على حجم التسييس المحكوم بحسابات وأجندات معينة، تعمل المنظمة المذكورة وفقا لها. فمن خلال الارقام والمعطيات والشهادات التي استندت عليها، والرسوم والمخططات التوضيحية التي عرضتها، ارادت «هيومن رايتس ووتش»، ان تقول «ان العرب السنة هم المستهدفون أكثر من سواهم من قبل القوات العسكرية والأجهزة الأمنية الحكومية العراقية، وان قوات الحشد الشعبي لها دور كبير في عمليات الاختطاف والاختفاء القسري، وان ما يحصل في هذا الاطار لا يخضع لإجراءات قضائية ـ قانونية». ولعل من يتابع ويدقق، يجد ان المنظمة المذكورة والكثير من المنظمات الاجنبية، الى جانب وسائل الاعلام الغربية، هي التي تروج لمصطلحات تستبطن معاني سلبية، من قبيل «العرب السنة»، و»الشيعة المرتبطين بأيران»، «الميليشيات الشيعية» وغيرها. ومن غير المستبعد جدا ـ بل من المؤكد ـ ان يكون للمنظمة الاولى المعنية بمراقبة أوضاع حقوق الانسان في العالم، دور كبير في قلب الحقائق وتزييف الوقائع، بما ينسجم مع مصالح الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها وأتباعها في المنطقة والعالم، فهي لم تتحدث عن جرائم تنظيم داعش الارهابي في العراق ودول أخرى، بما تستحق من كلام وتوثيق، ولم تتحدث عن جرائم تنظيمات وجماعات ارهابية أخرى، مثل تنظيم القاعدة، ولم تتحدث عن مئات ـ ان لم يكن آلاف الارهابيين الذين ارسلتهم دول مختلفة، في مقدمتها المملكة العربية السعودية، ليفجروا انفسهم وسط الاسواق والمدارس والشوارع في العراق، ليحصدوا أرواح الناس الابرياء. وكم هي مساحة الاهتمام التي حظيت بها عشرات أو مئات الجرائم التي اقترفها الارهابيون بحق المدنيين الابرياء في العراق، والتي لا تحتاج الى البحث عن أدلة وبراهين وشهادات شهود لغرض اثباتها. ولا يختلف الامر، اذا اردنا ان نذهب بعيدا خارج حدود الجغرافيا العراقية، حيث ان تلك المنظمة كانت ومازالت تسرد القصص عن ما تزعم انها جرائهم الحوثيين في اليمن وجرائم النظام السوري، وجرائم النظام الايراني، بيد انها ولكي تبدو موضوعية ومهنية، ربما تمر مرورا عابرا خجولا على ما تقترفه أنظمة دكتاتورية استبدادية مثل النظام السعودي والنظام البحريني، من انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان، ودعم وتمويل للإرهاب العابر للحدود، ماليا وإعلاميا وتسليحيا واستخباراتيا وفكريا، ناهيك عن غض الطرف عن ما تقوم به الولايات المتحدة الاميركية من أدوار سيئة في ضخ الروح للجماعات الارهابية ومنع القضاء عليها بالكامل، حتى تستخدمها كأوراق للضغط على خصومها وأعدائها، كما يجري في العراق وسوريا. ويكفينا ان نحيط بالظروف التي تأسست في ظلها «هيومن رايتس ووتش» في عام 1978، حتى نعرف ونتيقن من الابعاد السياسية وراء ظهورها، وطبيعة الادوار والمهام المناطة بها، وطبيعي ان تتبدل المهام والأدوار بتغير الخصوم والأعداء. وينبغي ان لا نتوقع ان تكون منظمة من قبيل «هيومن رايتس ووتش»، وهي تسير في ركاب السياسات والأجندات الاميركية، ان تكون موضوعية ومحايدة ومنصفة، وخصوصا حيال العراق، وحيال كل عناوين ومسميات «محور المقاومة والممانعة»، ولابد من ان الرد الحازم والقوي والموضوعي على ما تطلقه من ادعاءات ومزاعم وتخرصات، وعدم الاكتفاء بـ»اضعف الايمان». وحسنا فعل مركز الاعلام الامني التابع لوزارة الدفاع العراقية، حينما اصدر بيانا بشأن ما ورد في التقرير الاخير للمنظمة، قال فيه «مرة أخرى تطلع علينا منظمة «هيومن رايتس ووتش» بتقارير لم تكن مهنية ولا تحمل شيئاً من المصداقية بعد ادعائها أن هناك إخفاءً قسريا لما اسمتهم بـ «العرب السنة»، وهذه التسمية مرفوضة جداً لأنها نوع من تكريس الطائفية المقيتة، كما أن هذه المنظمة ولأكثر من مرة تعتمد على جهة واحدة دون أخذ رأي الجهات المختصة، وتأتي بشهادات غير صحيحة». ونوه مركز الاعلام الامني العراقي الى انه «كان حريا على المنظمة أن تدين العصابات الإرهابية التي عاثت بالأرض فسادا، وأوقعت بالكثير من الأبرياء في العراق، وقد ذكرت في تقريرها الجديد ان هناك أطفالا معتقلين لدى السلطات العراقية لم يبلغوا التاسعة من العمر، فما هذا الإدعاء المجحف والكاذب؟». ولعل ما هو مطلوب، ان يكون للأوساط السياسية العراقية و وسائل الاعلام والمنظمات المعنية بحقوق الانسان، دور في توضيح الحقائق والوقائع، وكشف مزاعم «هيومن رايتس ووتش» وغيرها من المنظمات والمؤسسات الاجنبية المسيّسة، التي تستخدم الشعارات الجذابة والعناوين البراقة لتحقيق ذات الاهداف التي تتحرك عليها الجيوش وأجهزة المخابرات ومراكز صنع القرارات، ورسم الاستراتيجيات في عواصم الهيمنة والتحكم والنفوذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى