النسخة الرقميةعربي ودولي

حرب العملات .. أخطر أوجه الحرب الاقتصادية الناعمة

تتصارع الدول اليوم في ساحة مفتوحة مستخدمة أدواتٍ مختلفة لكسب أوراقٍ في الصراع أو تعزيز أدوارها على الصعيدين الإقليمي والعالمي. لكن أدوات الحرب اليوم تكاد تكون أخطر من الأدوات السابقة، كونها أدوات ناعمة. فالحرب الصلبة التي شهدها العالم عبر التاريخ، وتكاد تُشكل المفهوم الوحيد للحرب في اللاوعي الشعبي لدى مجتمعاتنا، كانت خطيرة وما تزال، لكنها كانت معروفة من حيث الأطراف المتنازعة، محدودة من حيث ساحة الصراع وكانت تنحصر بين اللاعبين في ساحاتهم القتالية. لكنها وعلى الرغم من آثارها (الحرب الصلبة) المُدمرة على المجتمعات، لم تكن بمستوى الخطر التي تُشكله الحرب الناعمة، والتي تطول الجميع في ساحةٍ مفتوحة من الصراع المُتعدد الأوجه.
تُشكل الحرب الاقتصادية إحدى أوجه الحرب الناعمة. تسعى فيها الدول الى إرضاخ بعضها من خلال الأسلحة الاقتصادية المختلفة، والتي عادة ما تؤثر في الاقتصاد العالمي. يوماً بعد يوما، زاد أثر هذه الحرب لأسباب عديدة. عالم مُعقد ومترابط حيث لم تعد هناك مسافات بين أطراف السوق في ظل تكنولوجيا التواصل الحديثة، وآثارها العديدة الإيجابية والسلبية. تكمن المشكلة الرئيسة في القدرة على ضبط النتائج. وهو أحد الأوجه الخطيرة لهذه التكنولوجيا وآثارها على الأوجه المتعددة للحرب الناعمة ومنها الاقتصادية. يُضاف اليها اعتماد الدول اليوم عليها كوسيلة أساسية في الصراع.
ولأن للحرب الاقتصادية أدوات عديدة، تبرز اليوم أحد أكثر أدواتها حداثة. حرب العملات هي حرب اقتصادية باردة يُديرها اللاعبون الاقتصاديون الكبار. حيث تقوم دولة (أو اتحاد دول لديه عملة موحدة) باستخدام السياسة النقدية عبر التدخل في أسواق الصرف وتبادل العملات، لتقليص القوة التنافسية للدول الأخرى. وجه آخر غير مباشر لهذه الحرب يتمثَّل في قيام المسؤولين بالتصريح عبر وسائل الإعلام، عن سياسات ضد دولة أو التحذير من أوضاع مستقبلية قد تُخفض قيمة العملة للدولة المستهدفة، ما يؤثر في عملتها بالأسواق. وهنا يحضر النموذج الصيني الأمريكي كأخطر الحروب الاقتصادية الحالية والتي ستكون بحسب المراقبين سبباً في التحول في النظام الاقتصادي العالمي. ظهر المصطلح للمرة الأولى خلال العام 2008 في كتاب «حرب العملات» للباحث «سنوغ هونغ بينغ» الأمريكي من أصل صيني. صدر الكتاب قبل الأزمة المالية ويتحدث فيه الكاتب عن المساعي الأميركية ومن خلال حرب العملات الى ضرب التعاظم الاقتصادي للدول الصاعدة وتحديداً الصين.
خلال شهر نيسان الماضي، أعلنت الصين نيتها خفض قيمة عملتها لمواجهة الحرب التجارية الغربية تحديداً الأمريكية ضد صادراتها. وهو ما يجعل قيمة سلعها أرخص من السلع الأخرى ويزيد من قدرتها التنافسية. قد يتفاجأ البعض بهذا الأسلوب لكن لسياسة خفض العملة قصة مهمة.
منذ العام 2016 تراقب الخزانة الأمريكية عن كثب أداء الدول التي تعدّها شركاء تجاريين أساسيين تجاه العملة الأمريكية. وهذا ما يدل على أن التوجه الأمريكي تجاه ضبط سلوك الشركاء التجاريين يعود لأكثر من عقد ونصف، ولا علاقة له بالإدارة الأمريكية الحالية، حيث أن قوة أمريكا السياسية تعتمد على الإقتصاد، ما يستلزم هذا التوجه، بغض النظر عن أسلوب الإدارة الأمريكية الحالية.
وهنا فإن قائمة الشركاء التجاريين الأساسيين لواشنطن، تضم الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند بالإضافة الى سويسرا وألمانيا. تمتلك هذه الدول الكميات الأكبر من العملة الأمريكية كاحتياط نقدي. وهو ما يجعلها قادرة على ممارسة ضغوط على سعر الدولار. ما يمكن أن يؤثر على الوضع التجاري لأمريكا والتي تعاني بحسب تقارير 2017 من عجز يفوق 800 مليار دولار في ميزانها التجاري فيه 380 مليار دولار أمام الصين.
يستمر الكباش العالمي في الحرب الاقتصادية بين الدول، حيث تبرز نماذج عديدة حالية لهذا الصراع (بين أمريكا والإتحاد الأوروبي، أمريكا والصين، أمريكا وروسيا، أمريكا وإيران). يبدو واضحاً القاسم المشترك الأمريكي. هنا، يمكن الرهان على أن الدول المنافسة لواشنطن في صراعها الإقتصادي، باتت تشعر بعبء السياسة المالية الأميركية وأضرارها على الاقتصاد العالمي، حيث تقوم واشنطن بتصدير مشاكلها الاقتصادية لتتحملها بقية الدول. لكن ولكي لا نبقى بعيدين عن الواقع، فإن المشهد العالمي للصراع الحالي بين أميركا والصين سيؤثر حتماً على الاقتصاد العالمي، لامتلاك هاتين الدولتين نحو 46% من حجم التجارة العالمية وهنا تعيش مجتمعاتنا أمام حرب لا يمكن معها إلا انتظار النتائج، في ظل دولٍ تحكمنا لا تملك أي وزنٍ اقتصادي عالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى