التوحش الإعلامي و مشروع الهيمنة
غالب قنديل
يذهب الأداء الإعلامي اللبناني نحو التوحش اكثر فأكثر وتستنسخ بعض المؤسسات التلفزيونية أشد انماط المشهد التلفزيوني العالمي انحطاطا وتفلتا في سباقها وتنافسها على الفتات الإعلاني المتقلص من سوق لبنان الداخلية ومن السوق العربية معا. تلجأ معظم المؤسسات لتبرير المجون الإعلامي بضيق الحال وتقلص المردود برغم انها استفادت من قروض مدعومة قدمها مصرف لبنان بناء على اقتراح من المجلس الوطني للإعلام الذي صار في مسار التنفيذ آخر من يعلم فالتفاصيل صيغت بين الحاكم والشركات المستفيدة على طريقة الهندسات المالية الرائجة وكان يفترض ان يعلن إعلاميا عن مشاريع الإنتاج التلفزيونية الدرامية والفنية التي ستمولها قروض المصرف المركزي ومن جهة اخرى ومراعاة للظروف نفسها تجمد السلطات اللبنانية أي مطالبة للقطاع الإعلامي بما ترتب عليه من رسوم بالمليارات وفي ذلك عمليا تواطؤ متفق عليه من دون تصريح بين المؤسسات وأهل السلطة. جمدت المطالبات بالدفع مراعاة للظروف ولانكماش المداخيل بل أيضا لأن بعض تلك الرسوم ترتبت عن تأجير قنوات لم تعد وسيلة تلقي المواطن للبث في منزله بينما دخلت البيوت الكابلات غير المرخصة التي ترعاها مواقع معروفة في السلطات المختلفة المعنية وهي شركات تستثمر منشآت عامة دون مسوغ قانوني منذ التسعينيات وتنتهك مرفقا عاما وتثير منافسة غير مشروعة ومن غير أي ضوابط بسبب تخلف التشريعات والقوانين وشبكة المصالح المتشعبة للنادي السياسي الذي يبحث عن عوائد التقاسم الممكن في أي مجال وقد احجمت الحكومات المتعاقبة عن إصدار قواعد ناظمة لعملها تضمن الحقوق العامة فلا تدخل إلى البيوت عشوائيا قنوات التكفير والتحريض الطائفي والبورنو في رزمة متاحة للصغار والكبار على السواء وفي مرحلة لاحقة ستكون متاحة باقة القنوات الصهيونية باللغة العربية التي حجزت حيزاً للبث الفضائي على قمر نايل سات بينما تحجب مجموعات التوزيع في المناطق ما شاءت من القنوات اللبنانية على خارطة الخصومات والصراعات اللبنانية. كالسلحفاة الكسيحة يتعامل لبنان تشريعيا مع ثورة الاتصالات التي تتقدم بسرعة فائقة وتجتاح كل شيء ومن المفارقات المضحكة المبكية ان يقبع اقتراح تحديث قانون الإعلام لسنوات في اللجان النيابية وهو يكاد يقر أخيرا بينما ستفرض التحولات الرقمية المتسارعة في العالم مراجعة مستعجلة لبعض مواده ونصوصه وهذا الإيقاع يتخذه بعض أهل المهنة مبررا للتحلل من أي ضوابط ولتسقيط أي محرمات بما فيها المعايير الأخلاقية والوطنية التي يطيحها بعض الأداء الإعلامي بطريقة مقززة. من سنوات تم تعليق مشروع شبكة البث الرقمي الأرضي وجرى التحريض ضده كونه يعزز فرصا لإحياء تلفزيون لبنان وسقط صريعا لمؤامرة ساهم فيها العديد من الأطراف وضمت الجبهة التي عطلت الخطة بعض المؤسسات الإعلامية التي كانت قد أعطت موافقتها على الخطة وجهات مصرفية طامحة إلى تصدر ورعاية مجموعة احتكارية بتجميع موزعي الكابلات تحت رعايتها وهي تسعى إلى أخذ تواقيع المؤسسات الإعلامية على تأسيس شركة قابضة حفزت شهية أطراف قطرية وسعودية وشركة غوغل العالمية لإلقاء القبض على قطاعي التلفزيون والخدمات الرقمية بضربة واحدة وفي العملية أرباح موعودة ودسمة. الموقف من العدو الصهيوني وجهة نظر والتشهير بالمقاومة والتحريض ضدها حرية رأي وتقديم المنابر لدعاة الفتنة الطائفية والمذهبية حرية إعلام وإفلات الهواء السياسي من أي قواعد سلوكية مهنية مساحة وهم يزعمون كذبا أنه أمر متعارف عليه في دول العالم فحتى عند الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة التي يعدونها نموذجا ملهما ثمة قواعد ناظمة وملزمة لجهة محتوى ما يبث وتوقيته… بينما هذا المحتوى الرث والمبتذل يتردد أمام أبصار اللبنانيين وعلى أسماعهم في محطات الإذاعة والتلفزيون ومن السخرية والمرارة ان يهرول الإعلام العام خلف تلك النماذج فيقلدها بحثا عن المشاهدين والمستمعين كما يزعم منظرو الإسفاف الإعلامي.



