النسخة الرقميةثقافية

أضواء على كتاب «سيكولوجية العنف والإرهاب في عالمنا المعاصر»

صباح محسن كاظم

ثمة قضية جوهرية تواجهها الإنسانية تتمثل بالعنف المتزايد الذي يثير الرعب بكل مكان. لعلّ الشغل الشاغل بعالمنا المعاصر قضية تؤرق الشعوب والدول، ألا و هي ظاهرة الإرهاب، وتنفق الدول جزءاً كبيراً من ثروتها للتصدي للظاهرة التي حطمت البنى التحتيَّة للدول، وأحدثت في زلزلة وإعصار مروع بالعديد من الممتلكات الوطنية، فضلاً عن وقوع ملايين الضحايا بقارات العالم أجمع. والإرهاب ظاهرة ليس وليد اليوم بل نتيجة الحروب والاستعمار والعدوان والهيمنة طوال التاريخ البشري من ريادة التاريخ إلى الإرهاب الذي يضرب بالعراق ومصر وليبيا واليمن وسوريا ومعظم الشرق الأوسط، لم يستثن أي وطن لم تمسه يد العبث والجريمة. لقد أفرد العالم المتحضر مؤتمرات دولية مختلفة لتقويض الظاهرة بعد البحث عن الوسائل لتجفيف منابعها. وقد كتب عدة مفكرين من العراق ومصر وسوريا ولبنان وغيرهم عشرات الكتب قرأت كثير منها، واستخدمتها مصادر في بحوثي عن تلك الظاهرة أو بكتابي الإعلام والأمل الموعود، ولا بدَّ من الإشارة لكتاب المفكر محسن وهيب عبد إيديولوجية الإرهاب. وأجزم ان كتاب الدكتور خالد محمد عبد الغني (سيكولوجية العنف والإرهاب في عالمنا المعاصر) الصادر عن دار الوراق، ط 1، 2017، عمان ـ الأردن، أعدّه من الكتب المهمة عربيا في تفكيك الظاهرة ودراستها بعمق وتحليل، وهو يتقصى الأسباب والنتائج والمعالجات، ولم يكتفِ بالشروحات بل البيانات التي تخللت صفحات الكتاب الذي ساهم فيه نخبة من الباحثين بالآراء التحليلية المهمة جاء في التقديم. كتب الدكتور خالد عبد الغني عالم النفس المصري المعروف، والناقد الأدبي المهم المتابع للنشاط الثقافي والمنجز الإبداعي بمصر وغيرها ص 13: ( ومن خلال التطبيق على الحالة المصرية نجد أن الإرهابيين بدأوا منذ المرحلة الأولى في السبعينيات والثمانينيات وحتى اليوم استهداف أفراد محددين مثل وزير الأوقاف الشيخ الذهبي ووزير الداخلية حسن أبو باشا ورئيس مجلس الشعب الأسبق رفعت المحجوب وبعض ضباط ورجال الشرطة والجيش والمنشآت العسكرية بسيناء وغيرها ثم توسعت الدائرة إلى استهداف منشآت سياحية وتعليمية ووسائل المواصلات ثم استهداف محال الذهب الخاصة بالأقباط ثم استهداف المواطنين في الميادين العامة مثل ميدان الأزهر وتوسع النشاط فشمل دور العبادة «الكنائس» في حادثة الإسكندرية وفي أعياد الميلاد عام 2010 تمَّ الاعتداء على المصلّين عند خروجهم من كنيسة نجع حمادي أو أثناء صلاة المسلمين لبث الرعب في المجتمع).
الكتاب فيه قراءة مهمة وتفكيكية لتلك الظاهرة المشؤومة التي اودت بملايين الضحايا بالعالم فقد كتب بعض فصوله:
1. الفصل الأول (الحرب والسلام والإرهاب والعدوان) أ. د. عزة عبد العظيم الطويل.
2. الفصل الثاني (جنس المعاق وشدة الإعاقة العقلية كمعدل لعلاقة عنف مقدم الرعاية نحو المعاق وتكيفه) أ. د. محمود أحمد خيال.
3. الفصل الثالث (عناصر الصورة الذهنية للإرهابي لدى المراهقين).
4. (العنف وعلاقته بالاضطرابات السيكوسوماتية لدى المرأة) د. سامية سمير شحاتة.
5. الفصل الرابع (الفروق في تقدير الذات والعنف بين الرياضيين وغير الرياضيين من طلبة المرحلة الثانوية) د. فتون محمود خرنوب.
6. الفصل السادس (30 يونيه أو استعادة الهوية المصرية رداً على توحد الإخوان بالمعتدي ـ رؤية نفسـثقافية) د. خالد محمد عبد الغني.
حلّل الدكتور خالد في مقدمته ص 8 تلك الشخصية غير السوية التي تمتهن وتحترف العنف غير المبرر بالقول (شخصية الإرهابي إنما تعبر عن طبيعة خاصة لمكوناتها والتي قد تعود في جزء منها إلى عملية التنشئة الإجتماعية وإلى خبرات معينة تعرض لها الإرهابي في طفولته وصباه تركت بصماتها بصورة واضحة عليه. ولكن محاولة تبرير الفعل الإرهابي بأنه استجابة لحالة من الظلم الاجتماعي وعدم العدالة والإحباط، أو أنه محاولة استعادة حقوق سليبة أو تغيير نظام سياسي أو اجتماعي إنما يقتضي إقامة تمايز بين الأفعال الإرهابية في ذاتها والسلوك الثوري أو ما يطلق عليه حرب العصابات، ومن الوجهة العلمية فإن الأساس الذي يمكن من واقعه إقامة تمايز بين الأفعال الإرهابية وبين العنف الذي يستخدمه الثوار في حروب العصابات هو أساس أخلاقي بعدّ أن ما يجعل الإرهاب مختلفاً عن الثورية هو أن الأهداف التي يمارس الإرهاب ضدها صور العنف المختلفة ليست ميداناً للقتال وإذا كان التمايز يستند إلى قيم أخلاقية. فمن المعروف أن النقاش الذي يستند إلى أسس أخلاقية هو نقاش ليست له نهاية. ومن الصعب إعطاء الإرهاب أي منطق أو صبغة أخلاقية مهما كانت أهداف الجماعات أو الدول الممارسة له.
وفي الدراسة الشهيرة التي قام بها «دونالد» و»ميللر» عدّا العدوان إستجابة شائعة وعامة تترتب على شعور الفرد بالإحباط. وعلى ذلك لا يزال الخلاف بين العلماء عما إذا كان العدوان دافعاً أول فطري يدفع الكائن إلى التخريب والعدوان، أم إستجابة معينة في مواقف خاصة كمواقف الإحباط. كما يعرف بأنه هو سلوك يتصف بالكراهية أو العداء والهجوم، ويمارسه في الغالب الأفراد المضطربون سلوكياً، وقد يكون مؤذياً أو مخرباً. أو هو الشروع في التشاجر والتحفز للمهاجمة أو التعارك مع الآخر أو الميل للعدوان أو التدمير. أما هيلجارد فيعدّ العدوان نشاطاً هداماً تخريبياً من أي نوع، أو أنه نشاط يقوم به الفرد لإلحاق الأذى بشخص آخر، إما عن الطريق المادي الحسي أو عن طريق الإستهزاء والسخرية).
ويستمر الدكتور عبد الغني بشروحاته عن تلك الظاهرة العدوانية المستفزة التي أشاعت الخراب في عالم اليوم وبثت الرعب بأرجاء المعمورة ومنطقتنا العربية بالأخص بعد ما يسمى بالربيع العربي الذي هدّ الطغيان بمناطق عربية عدة فتدافعت التنظيمات والحركات الإرهابية لنشر الذعر والهلع والخراب بعموم عالمنا العربي.
يشير المؤلف الى (وتختلف أشكال التعبير عن العنف باختلاف السن والثقافة والوضع الطبقي والمستوى الاقتصادي والاجتماعي فضلا عن أسلوب التربية والتنشئة والتكوين النفسي والنمط الخلقي الذي نشأ عليه الفرد، وبذلك يتمُّ التعبير عن العدوان من خلال قسمات الوجه والعيون والفم واليدين والقدمين والجسم كله. والصياح والصراخ, والألفاظ الجارحة والشتم والفحش والبذاءة في القول, والسخرية والتهكم والنكتة, والتمرد والعصيان, والمخالفة والعناد والتحدي والفشل في العمل, والإهمال ـ وهو صورة سلبية للتعبير عن العدوان ـ, والتجسس من أجل معرفة أشياء لاستخدامها في التهديد والإرهاب والابتزاز. بل يجب التفرقة بين درجات أفعال العنف من الفعل البسيط (الصفع والدفع) إلى الفعل القاسي (الذي تنتج عنه إصابات). وهو يتضمن عدة أنواع:
العنف البدني: ويتمُّ من خلال السلوك البدني كالضرب والقتل والإيذاء البدني.
والعنف الشفوي: ويكون بالتهديد باستخدام العنف دون استخدامه فعليا وغالبا ما يسبق العنف البدني هذا التهديد.
والسلوك العدواني أو العنف قد يرجع في أساسه إلى الأسرة وما يجري فيها من فقدان الشعور بالاطمئنان والأمن أو خلال الحيلولة دون إشباع الحاجات).
كما وضح بالفصل الثاني من هذا الكتاب المهم أد. محمود أحمد محمد خيال جنس المعاق وشدة الإعاقة العقلية كمعدل لعلاقة عنف مقدم الرعاية نحو المعاق وتكيفه، حيث أكد على قضايا مهمة في معالجة المشكلات الاجتماعية بالبدء من الطفولة صعودا الى مرحلة الشباب والتغيرات النفسية التي تطرأ على الأطفال جراء العنف حيث كتب ص 37 ( يشكل العنف واحدة من أخطر الظواهر التي تعاني منها كثير من المجتمعات والشعوب وعبر التاريخ البشري يعد الأطفال من أبرز ضحايا جرائم العنف والقتل، وتفاقمت هذه المشكلة بسبب فشل الأسرة في أداء وظائفها في ظل التغيرات الاجتماعية والنفسية ، ويعدُّ سوء معاملة الطفل من المشكلات الاجتماعية التي تؤثر على نموهم النفسي والبدني فضلا عما يحمله من مظاهر غير إنسانية وغير متحضرة. وهو ما استرعي اهتمام كثيراً من الباحثين في مجال علم النفس والطب والاجتماع بشكل عام وشكّل موضوعا خاصا في الدراسات النفسية لما يمثله من انتهاك خطير لحقوق الطفل.
وتشير الكتابات التاريخية إلى تعرض الأطفال لأشكال مختلفة من العنف عبر العصور فقد كانوا يقدمون قرابين للآلهة أو يعذبون بالنار والماء البارد أو يتركون في العراء على سفوح الجبال حتي الموت، ولا سيما إذا كانوا إناثا أو يعانون من عيب خلقي، وفي العصور الحديثة تعرضوا أيضا للرق والعبودية والقيام بالأعمال الشاقة لساعات طويلة مع قلة الرعاية والعناية بهم غذائيا وطبيا.وبطبيعة الحال لم يسلم المعاقون عقليا من قسوة التعامل والسلوكيات العنيفة من القائمين علي رعايتهم. بل أضحي العنف الموجّه لهم يفوق بكثير ما يتعرض له الأطفال العاديون نظرا لطبيعة إعاقتهم ومشكلاتهم التكيفية الناتجة عنها، فتشير الدراسات الأنثروبولوجية أن الإغريق والرومان عاملوا المعاقين عقليا معاملة قاسية وعدّوهم منبوذين من المجتمع ومكروهين من أسرهم، كما اضطهدهم البروتستانت ونادوا بمسؤولية الفرد عن أفعاله وسماهم مارتن لوثر «أعداء الله»، وزعموا أن بهم أرواحا شريرة لبست أبدانهم فعاقبوهم بأبشع العقاب وعذبوهم وحرقوهم بالنار، وفي مطلع العشرينات بدأ الاهتمام بالطفل وحقوقه، وظهرت قوانين لحمايته بصدور أول إعلان لحقوق الطفل في عام 1923 وتبلور عنه إعلان جنيف لحقوق الطفل ثم اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة وعدّه إعلانا عالميا لحقوق الطفل، وفي عام 1989 صدرت اتفاقية حقوق الطفل التي تعهدت بحمايته).
ويستمر الكتاب بفصوله الشيقة ببحثه عن أبشع ظاهرة يواجهها عالمنا المعاصر، وفي نهاية كل بحث خلاصة، ومعالجة، وتوصيات، وإجراءات لتلك الحالة التي اقل ما تصفه به الإنسانية عن الإرهابي بانعدام الضمير، والقيم، والأخلاق، فالتربية الصحيحة التي عرف بها العربي الذي يقتدي بدينه الذي يحث على السلام، والمحبة بوصايا نبيه الخاتم رمز الإنسانية الذي وجه الأمة بالرحمة والعطف، وأئمة الهدى الذين علموا العالم الحكمة والصبر والبحث عن العلم والعدل بالحكم بالطبع تلك الخلاصات كما جاء في مناقشة الفرض الثالث ص 95: (أشارت نتيجة الفرض الى وجود فروق دالة إحصائيا بين متوسط درجات عينة ذوي الإعاقة البسيطة والمتوسطة في بعد العنف البدني والفروق في تُجاه ذوي الإعاقة المتوسطة، كما وجدت فروق دالة إحصائيا بين متوسط درجات عينة ذوي الإعاقة البسيطة والمتوسطة في بعد العنف النفسي كما وجدت فروق دالة إحصائيا بين متوسط درجات عينة ذوي الإعاقة البسيطة والمتوسطة في بعد العنف اللفظي والفروق في اتجاه ذوي الإعاقة المتوسطة.
وتتفق نتيجة الفرض الحالي مع ما سبق أن أشارت إليه دراسات كل من سوبسي وزملائه والتي أكدت وجود فروق في العنف الموجه لذوي الإعاقة المتوسطة أكثر شدة مقارنة بما يتعرض له المعاقين عقليا بدرجة بسيطة.
ويبدو أن متطلبات رعاية المعاق عقليا تعدُّ أحد العوامل التي تساهم في زيادة شدة العنف الموجّه إليه فقد أكدت الدراسات أن الأطفال ممن يعانون الإعاقات المختلفة والأمراض المزمنة أكثر عرضه لمخاطر العنف الأسري، حيث يضيفون عبئا أكبر من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والصحية على أسرهم، وهي ما تفرض مستوى رعاية وعناية أكثر وجميعها تمثل ضغوطا على القائم بالرعاية نحو الطفل.
ومن الأرجح أن تتزايد الضغوط على مقدمي الرعاية خصوصا في ظل زيادة المتطلبات الإضافية وقصور النواحي المعرفية علاوة على شدة الإعاقة التي تفرض قيودا أكبر على مقدم الرعاية من حيث قصور مهارات التفاعل والتواصل الشخصي للمعاق، التي تمثل عائقا إضافيا يزيد مستوى رعاية الطفل وتزيد احتمال تعرضه للعنف.
ويمكن القول إن القائمين على رعاية ذوي الإعاقة العقلية يعانون كثرة الضغوط والتوتر والإجهاد جراء الإشراف المستمر للمعاقين عقليا لما يتصفون به من سلوكيات فجة غير مرغوبة، كالعدوان وصعوبات التواصل والانتباه الأمر الذي يزيد من احتمالية زيادة العنف نحوهم).
وبالنسبة لزيادة العنف اللفظي الموجه للمعاقين بدرجة متوسطة فمن الواضح أنها نتيجة منطقية اذ يترتب علي العنف البدني ثورة لفظية مصاحبة لموجه العنف البدني الموجّه نحوهم، فغالبا ما يميل القائمون برعاية المعاقين عقليا الى زيادة السلوك اللفظي كنماذج إضافية شارحة ومساعدة في قيام الطفل بتنفيذ ما هو مطلوب منه، ونظراً لقصور قدرات الطفل في تفهم كثير من التعبيرات اللغوية التوضيحية، مما يزيد إحباط مقدم الرعاية مما يزيد حدة النبرات الصوتية وتتحول الى لوم وتهكم أو سخرية أو تهديد لفظي للطفل لفشله في الانصياع لأوامره).
جهد معرفي، وفكري، وتحليلي، وتنويري، أودعه في هذا الكتاب الدكتور خالد محمد عبد الغني ومن معه وهم ينيرون الشموع وسط عتمة الأجواء ليضيقوا فجوة الظلام ليعيش العالم بسلام.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى