النسخة الرقمية

أين تكمن مشكلتُنا مع الإمام الحُسينِ «عليه السلام» ؟

د.علي الشندي

الحسينُ ( سلامُ اللهِ عليه ) أشبهُ بالطبيبِ الذي نصحَنا اللهُ بمراجعتِهِ كلَّ عامٍ ؛ لِنجدَ أنّ مرَضَنا ما زالَ على حالِهِ ، فعلى الرغمِ مِنْ كلّ مجالسِنا  وبكائنا وزياراتِنا وشعائرِنا وممارساتِنا الكثيرة باسم الحسين ( عليه السلام ) خلالَ العامِ لازالَ الهوانُ والخيبةُ والفشلُ السياسيّ والفسادُ الإداريّ ، ومظاهرُ الانحلالُ الخلقي ، ولا يزالُ الظلمُ والغشُّ في كلِّ مفاصلِ الحياةِ ، في البيتِ ، الشارعِ ، السوقِ ، المدرسةِ ، الجامعةِ ، والأتعس مِنْ هذا كلّهِ لا يزالُ الخوفُ والخدرُ واللا مبالاةُ تنتشرُ في ربوعِ عراقِ الحسينِ (عليه السلام) مع بالغِ الأسف ، تلك الأمراضُ التي عالجَها سيدُ الشهداءِ (عليه السلام) بدمِهِ المقدسِ ودماءِ الصفوةِ المجاهدةِ منْ أهلِ بيتهِ وصحبهِ..فالعالمُ كلُّهُ بمختلفِ حضاراتِهِ الإنسانيةِ يحترمُ تضحيةَ الإمام الحسين (عليه السلام) ، ويشيدُ بوقفتِهِ الاصلاحيةِ ضدَّ الطغاةِ  ، فهو نشيدُ الإنسانيةِ الخالدِ مِنْ أجلِ العزةِ والكرامةِ..فأعتقدُ أنَّ الفشلَ أو الإخفاقَ بسببِ تعددِ قراءاتِنا لعاشوراءِ الحسينِ ( عليه السلام ) فهي تختلفُ باختلافِ درجةِ الوعي على أربعِ قراءاتٍ:قراءةٌ شعبيةٌ : وهي قراءةٌ ورثتْها الأجيالُ واعتادتْ عليها حتى أصبحتْ جزءاً من موروثها البيئي وعقلها الجمعي ، وهي قراءةٌ تقومُ على العاطفةِ البسيطةِ التي تنبعُ عن رغبةٍ في تقديمِ الأعمالِ لسيدِ الشهداء ( عليه السلام ) فهناك الهريسُ ،والقيمة ، وخبزُ العباس ، وعرسُ القاسم ، وإضاءة المصابيح ليلاً ، وأجواء ليلة العاشر الشعبية ، ومساحة الحرية التي تعطى للجميعِ للحركة في ليالي العشر الأولى مِنْ المحرم..وقراءةُ ( الثوابِ وتكفيرِ الذنوبِ ): المحرمُ شهرُ الحسينِ ( عليه السلام ) شهرُ سفينةِ النجاةِ ،لذا يسارعُ كلٌّ منا كي يقدمَ للحسين ( عليه السلام ) عملاً ؛  لِيُكفِّرَ اللهُ عنهُ ذنوبَهُ ، ويُكْتَبَ في خُدّامِ الحسينِ ( عليه السلام ) ، وهذه ثقافةٌ تشجعُ عليها رواياتٌ وردتْ عنِ المعصومين ( عليهم السلام ) ، وحيكت قصصٌ أُسْتُغِلَّ الكثيرُ منها في تبريرِ بعضِ الأعمالِ المحرمةِ ، فالحسينُ (عليه السلام) في بعضِ تلكِ القصصِ يسجلُ أسماءَ اللصوصِ الذي يأتون لسرقةِ زوارِهِ ، ويَعُدّهم من زوارهِ ؛ لأنَّ عليهم تراب أقدام الزائرين !ولعلَّ بعضنا يرى في الحسين محطةً سنويةً ومكتبَ حاسباتٍ لفرمتةِ الذنوبِ التي أكتسبها طيلة أيامِ السنة..وقراءةٌ نفعيةٌ : هناك مَنْ يوظفُ المحرمَ لأغراضٍ دعائيةٍ تنطوي على مآربَ سياسيةٍ للتأثيرِ في الناسِ ، أو مصالحَ اجتماعيةٍ طلباً للوجاهةِ والتفاخرِ الاجتماعي، أو مِنْ أجلِ الوصولِ إلى منصبٍ حكومي أو مركزٍ إداري ، أو الثبات فيه ، والكثيرُ اليوم يتمظهرُ بشعائرِ الحسينِ ( عليه السلام ) كي يُقنعَ مسؤولي الدولة وأصحاب القرار في أحزابنا المتنفذة بصبغتِها وشعاراتِها الدينية بتدينِهِ حتى يثبتَ في موقعِهِ ومنصِبِهِ!وقراءةٌ رساليةٌ : وهي القراءةُ الواعيةُ للمشروعِ النهضوي للإمام الحسين التي تقومٌ على فهمِ الأهدافِ والوسائلِ والنتائجِ من حركةِ الإمام الاصلاحيةِ للواقعِ المنحرفِ ، لمجابهةِ الانحرافِ والطغاةِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.  ووفقَ تلك القراءةِ  الرساليةِ لا يكفينا التماهي والاندكاكُ في أي نوعٍ مِنْ أنواعِ الاحتفاءِ السنوي بالحسينِ ( عليه السلام ) ، ما لمْ تُترجمْ كلُّ شعائرِنا وكلُّ ممارساتِنا وكلُّ مقارباتِنا للقضيةِ الحسينيةِ إلى مشروعٍ كبيرٍ للإصلاحِ في واقعِنا السياسي والاجتماعي والاخلاقي وباقي مجالات الحياة ولأجلّ تقليلِ المسافةِ بين حقيقةِ المشروعِ الحسيني للإصلاحِ وبين قراءاتِنا وفهمِنا لعاشوراءَ التي لم تصنعْ لنا واقعاً بحجمِ وعِظَمِ التضحيةِ لسيدِ الشهداءِ،وبحجمِ  الشعاراتِ التي نُرددُها كلَّ عامٍ ، والتي مِنْ أجلِها قدَّمَ أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) أغلى ما يملك لتكون الشعاراتُ حقيقةً شاخصةً للأجيالِ التي تريدُ أنْ تتربى في مدرسةِ عاشوراءَ ، وتستلهمُ قيمَ الصمودِ والتحدي والتضحيةِ من أجلِ كرامةِ الإنسانِ وعزيزِ العيشِ في الأوطانِ.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى